فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 681

بكم وهو التقطيع والصلب، وحذف المفعول هنا- فيما يبدو- لبيان فظاعة ما ينتظرهم من العذاب ولإلقاء الرعب في قلوبهم لتذهب النفس فيه كل مذهب وبين العذاب بعد ذلك ليتقرر في أذهانهم وليضاعف من آلامهم حيث إنه حذف المفعول أولًا للتهويل والترهيب ثم ذكره وبينه بعد ذلك ليزيد من خوفهم ... فهل يقال إن الحذف هنا لرعاية الفاصلة؟، كذلك في قوله تعالى على سليمان عليه السلام: { ... وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} (النمل:19) "مفعول"أدخلنى"وهو الجنة محذوف وحذفه لئلا يتكرر ما قبله لأنه إذا عمل صالحا كان من الصالحين، ويمكن القول أنه عد نفسه غير صالح تواضعًا ..." [1] .

والشهاب هنا لا يرى أن الحذف لرعاية الفاصلة، وهو ما نتفق معه فيه. وهناك مواضع أخرى كثيرة حذف فيها المفعول لأغراض بلاغية يقتضيها المقام والسياق من ذلك قوله تعالى: { ... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (الزمر:9) فقد حذف المفعول به وهو الدين ونزل الفعل منزلة اللازم بحيث صار المراد من الفعل حقيقته. أى هل يستوى الذين وجدت منهم حقيقة العلم والذين لم توجد عندهم بعد أن كان المراد علم شئ مخصوص، وهذا الحذف للمبالغة في الذم إشارة إلى أن الجهال الذين لا علم عندهم بالدين كأنهم لا علم لهم أصلًا، وأن حقيقة العلم فقدت منهم وصاروا كالبهائم، وفى ذلك يقول صاحب الكشاف:"وأراد بالذين يعلمون: العاملين من علماء الديانة كأنه جعل من لا يعمل غير عالم. وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلم ثم لا يقنتون ويفتنون فيها ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة حيث جعل القانتين هم العلماء ..." [2] فهل يقال إن حذف المفعول هنا لرعاية الفاصلة؟ فكل حذف للمفعول وراءه سر بلاغي يقتضيه المقام ولا بد من ملاحظة السياق والسباق، وقد استشهدت بهذه المواضع لأوضح أن رعاية الفاصلة ليست من الأسرار البلاغية التي يبنى عليها النظم القرأنى.

(1) ينظر السابق 7/ 41.

(2) ينظر الكشاف 4/ 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت