فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
هذا الموضع أن دخول الفاء على المفسر مما يؤكد الاختصاص في تقديم المفعول. كما يلاحظ ما ذكره حول سر التقديم في الآية (14) من سورة الأنعام وهو يرى أن التقديم فيها للتقوى لا للتخصيص، وهو رأى سديد يشهد له المقام والسياق، غير أن القونوي قد نسب إلى صاحب الكشاف القول بالاختصاص وهو ما لم يصرح به صاحب الكشاف، وقد سبق تفصيل ذلك. وهذه الإشارات الدقيقة من الإمام القونوي تدل على إلمامه بأسرار تقديم المفعول، وأثر ذلك التقديم في النظم القرآنى كما تدل على إلمامه بكلام البلاغيين في هذا المبحث، وخاصة فيما يتعلق بتقديم المنكر بعد الهمزة، وكلامه في هذا الموضع كلام دقيق ينم عن فهم وذوق [1] .
أما عن تقديم المتعلقات الأخرى كالظرف والجار والمجرور فلقد أشار الإمام القونوي إلى كثير من مواضع تقديم المتعلقات مبينًا ما ينطوى عليه هذا التقديم من أسرار يقتضيها المقام ويدعو إليها الحال. فعن تقديم المجرور للاختصاص أو للاهتمام يقول في قوله تعالى: { ... فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [2] ."أى يجب أن لا يشرك به، إذ العلة تقتضى ذلك، والمعنى التنبيه على نكتة تخصيص ترتب عدم الإشراك على مضمون"الذى جعل لكم"الآية [3] أى أن هذه النعم لا سيما إعطاء الوجود لما كانت محيطة بهم في عموم الأحوال والأوقات مع كونها نعمًا عظيمة لاشتمالها على ما يحتاجون إليه في بقاء نوعهم وشخصهم، وأن هذه الآيات العظام، والأشياء المذكورة من حيث دلالتها على التوحيد وكمال القدرة والإرادة تسمى آيات، ومن حيث يستلذ بها الإنسان تسمى نعمًا خصت بترتيب عدم الإشراك عليها لظهور سببيتها وإرادة ترتبها عليها، فثبت حسن دخول الفاء السببية على الخبر، وتقديم لله يصح أن يكون للحصر لأن عدم الند والمثل مخصوص به تعالى، إذ ما من ممكن سواه وصفاته إلا وله نظائر، فيكون من قبيل قصر"
(1) من مواضع تقديم المفعول في حاشيته 1/ 101، 105، 3/ 223، 3/ 306، 5/ 247، 6/ 44، 245، 8/ 164، 11/ 181، 121، 11/ 248، 13/ 118.
(2) من الآية (22) من سورة البقرة.
(3) أى قوله تعالى: (الذى جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون)