فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 681

يؤمنون بغيرها، وهذا غير صحيح فضلًا عن التعريض فأشار المصنف إلى دفعه بأن المراد بغير الآخرة المنفى عنهم إيمانهم بالآخرة التي يزعمها أهل الكتاب [1] ، فمن قال: أى إيقانهم مقصور على حقيقة الآخرة لا يتعداها إلى ما هو على خلاف حقيقتها أشار إلى هذا الدفع، فالحصر إضافى لا حقيقى، فلا إشكال، والقرينة عليه الإخبار أولًا أنهم يؤمنون بما أنزل الآية، فلا جرم أن المعنى ما ذكر فحينئذ يكون في ذلك تعريض بأن ما عليه مقابلوهم وأضدادهم ليس من حقيقة الآخرة في شئ، وحاصل المعنى أنهم يوقنون بالآخرة على ما هى عليه لا بغيرها مثل من عداهم من أهل الكتاب. والتقديم الثانى: يفيد أن الإيقان مقصور عليهم لا يتعداهم إلى غيرهم من أهل الكتاب، فالقصر أيضًا إضافى بدلالة أن من عداهم من غير أهل الكتاب إيقانهم بالآخرة وغيرها مبين في الموصول الأول، إذ الإيمان بالغيب شامل للإيمان بالآخرة، فلا إشكال أصلًا .. وحاصل القصر الثانى أنه قصر الصفة على الموصوف، والأول قصر الموصوف على الصفة ... ولغرض التعريض ذكر"وبالآخرة هم يوقنون"مع أنه داخل في عموم ما أنزل، والنكتة المشهورة في عطف الخاص على العام هى أن الإيمان بالآخرة سبب لإيمان ما عداها، قال تعالى { ... وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِه ... ِ} [2] . الآية، فبهذه الحيثية يكون لها شأن وفخامة، ولا يضره شرافة سائر المؤمن به عليها، وغرض التعريض يؤيده" [3] ."

وكلام الإمام القونوي حول القصر في الآية غنى عن التعقيب فلقد بين أن الحصر في الآية إضافى، وأن المقصور إيمانهم بالآخرة على ما هى عليه لا بغيرها مثل من عداهم من أهل الكتاب، ... وبين أن الغرض من هذا التقديم والقصر هو التعريض بأهل الكتاب، وبأن ما هم عليه من الإيمان ليس من حقيقة الآخرة، وأشار إلى أن القصر في الآية قصر بالفحوى يفهم بمعونة السياق والمقام [4] .

(1) ينظر أنوار التنزيل 1/ 68.

(2) من الآية (92) من سورة الأنعام.

(3) ينظر حاشية القونوى 1/ 230.

(4) أشار القونوى إلى القصر بالفحوى في أكثر من موضع من حاشيته، والتقديم بالفحوى: أى بمفهوم الكلام بمعنى أنه إذا تأمم من له الذوق السليم في مفهوم الكلام الذى فيه التقديم فهم منه القصر، وإن لم يعرف أنه في اصطلاح البلغاء كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت