فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقوله تعالى خطابا للكافرين المعذبين في النار: { .. أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [1] .
"الاستفهام للإنكار، أى لإنكار النفى، وإثبات المنفى والإنكار متوجه إلى المعطوف عليه، إذ التقدير: ألم نمهلكم أو ألم نؤخركم، ولم نعمركم عمرًا تمكن فيه المكلف من التفكر، فالإنكار للوقوع، وهذا التوبيخ في الآخرة بتقدير، فنقول لهم وكون هذا التقريع في الدنيا كما قيل مما لا وجه له" [2] . ويلاحظ أن المعنى المجازى للاستفهام في المواضع الماضية هو الإنكار ونلمح دقة القونوي في تحديد المعنى المجازى للاستفهام من خلال مراعاة السياق والمقام، وبيان المقصود بالإنكار، فقد يكون المقصود بالتوبيخ مفهومًا لا منطوقًا، وتحديد ذلك يعتمد على الذوق والحس المرهف، والفهم لأسرار النظم القرآنى.
وعن مجئ الاستفهام للتقرير، والتوبيخ، والتعجيب، والاستبعاد وغير ذلك من المعاني المجازية للاستفهام.
يقول في قوله تعالى: {أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [3] .
"قوله (أتأمرون الناس بالبر) الهمزة للتقرير بمعنى التحقيق والتثبيت وأما بمعنى حمل المخاطب على الإقرار، وإلجائه إليه لا يناسب هنا، وإن سلم صحته هنا، إذ يبعد إقرار المخاطب أمر الناس بالبر، ونسيان أنفسهم، بل هم مصرون على خلاف ذلك، وإن عرفوا أنهم ينسون أنفسهم، وللإنكار، أى لإنكار الواقع بمعنى أنه مما لا ينبغى أن يقع، أى الأمر بالبر ونسيان أنفسهم واقع منهم البتة، لكن وقوعه ليس بلايق، فالجمع بين المعنيين بالاعتبارين ممالا بأس به، ولك أن تقول التقرير معنى الهمزة المراد هنا، والتوبيخ والتعجيب منفهم من عرض الكلام وفحواه، فإن هذا التقرير لما لم يكن تقرير أمر حسن فهم بمعونة ذلك التوبيخ والتعجيب، وهذا أولى من القول باستعمال اللفظ في معنيين مجازيين، بل في المعاني المجازية، وإدخال مع في التوبيخ إشارة إلى أنه المقصود من"
(1) الآية (37) من سورة فاطر.
(2) ينظر حاشية القونونى 11/ 227.
(3) الآية (44) من سورة البقرة.