ترجح معنى مجازيًا من هذه المعاني، ومن خلال السياق يمكن ملاحظة معنى مجازى آخر، وهذا ليس بمطرد في كل المواضع.
ولذلك نلاحظ أن القونوي يذكر المعنى المجازى الذي يناسب المقام والقرائن ثم يبين أن في الكلام إشارة إلى معنى آخر، وذلك كما في قوله تعالى خطابًا للمسلمين بعد غزوة أحد: {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا ... } [1]
وقد ذكر أن الهمزة في الآية لتقرير (مضمون) (قلتم أنى هذا) أى هذا القول صدر منكم حين أصاب مصيبة في وقعة أحد لكن ما كان ينبغى أن يقع ذلك، فالهمزة للإنكار الواقعى، وقد جمع بين المعنيين المجازيين أو الأول مراد، والثانى مفهوم من الفحوى.
كذلك في قوله تعالى {أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [2] . ذكر أن التقرير معنى الهمزة المراد هنا، والتوبيخ والتعجيب منفهم من عرض الكلام وفحواه.
ولقد أشار الإمام عبد القاهر إلى شئ من ذلك عند حديثه عن تقديم المسند إليه مع الاستفهام التقريرى والإنكارى حيث قال في قوله تعالى: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} (الأنبياء: 62) "واعلم أن الهمزة فيما ذكرنا تقرير بفعل قد كان وإنكار لم كان وتوبيخ لفاعله عليه. ولها مذهب أخر وهو أن يكون لإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله" [3]
ويلاحظ إشارته إلى مناسبة المعنى المجازى للمقام وهو ما أصاب المسلمين في غزوة أحد [4] ، وهذا يؤكد ما سبق ذكره من حرص القونوي على ترسم خطا صاحب الكشاف، من خلال الربط بين أجزاء النظم، وبيان مدى ملاءمة المعنى المجازى للمقام والسياق.
(1) من الآية (165) من سورة آل عمران.
(2) الآية (44) من سورة البقرة.
(3) ينظر دلائل الإعجاز ص 89.
(4) وذلك في تفسير الآية (165) من سورة آل عمران وقد سبقت.