فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [1] . يقول:"من: استفهامية لكن حقيقة الاستفهام ليست بمرادة، بل المراد بيان فخامة ذلك الشخص عنده تعالى كأنه لفخامته خفى في نفسه فسأل عنه، أو للإنكار أى هذا قليل جدًا، فهو كالمعدوم، لكنه خلاف الظاهر، وفائدة ذا مع الاستغناء عنه الإيضاح بعد الإبهام لكمال التقرير في الذهن مع أن في التعبير باسم الإشارة الذي للحاضر المشاهد جعل الغائب المعلوم بمضمون الصلة كالمشاهد ليتوجه إليه، ويطلب حتى يكون الحصول بعد الطلب له ألذ وأعز من المنساق بلا تعب" [2] .
فالغرض من الاستفهام بـ"من"إما بيان الفخامة في الشأن، أو للإنكار لبيان القلة، وكلا المعنيين يحتملهما السياق، وقد مضى ما ذكره الإمام عبد القاهر [3] . من أن الاستفهام قد يشتمل على أكثر من معنى مجازى مع ترجيح القرائن لمعنى على معنى، والنكت البلاغية لا تتزاحم، والذى يفصل في ذلك هو السياق والمقام والقرائن، وهو ما عنى به الإمام القونوي في حاشيته عناية كبيرة!
يقول في قوله تعالى: {قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [4] .
"والاستفهام للتحقير، والمراد: تحقير مادة الإنسان، ولما كان المعنى الحقيقى محالًا حمل على المجاز، والمناسب من المعاني المجازية هنا التحقير، ولا يلزم من تحقير المادة تحقير الإنسان المكرم، ولو سلم فبالنظر إلى بعض الأفراد، ولو سلم العموم فمن وجه دون وجه، فلا ينافى قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ .. } [5] ." [6]
(1) الآية (245) من سورة البقرة.
(2) ينظر حاشية القونوى 4/ 139.
(3) ينظر دلائل الإعجاز ص 114.
(4) الآيتان (17، 18) من سورة عبس.
(5) من الآية (70) من سورة الإسراء.
(6) ينظر حاشية القونوى 14/ 45.