الأمر في قوله تعالى: { ... كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [1] . وكما سبق أن القونوي يتفق مع البلاغيين في الناحية الإصطلاحية، ويختلف معهم في الناحية التحليلية كما سبق ويقول في قوله تعالى في خطاب أهل النار: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [2] .
"هذا الأمر للإهانة والتحقير، أو الأمر التكوينى أى كونوا خاسئين، فيكونوا ساكتين لا يقدرون على التكلم، ... ولذا قال اخسئوا ولم يقل اسكتوا" [3] .
ويلاحظ هنا أن في الآية أكثر من معنى مجازى للأمر، وقد سبق أن السياق قد يضم أكثر من معنى مجازى، والفيصل في ذلك هو القرائن والمقام، ولقد أشار إلى ذلك في عدة مواضع [4] .
وعن مجئ الأمر للدوام يقول في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} [5] .
"والمراد الأمر بالدوام تهييجًا له لأن نفس الاشتغال بالتسبيح موجود قبله وتركه وإن لم يتوقع، لكنه أمر بالدوام تهييجًا وتنشيطًا له عليه السلام ..." [6] .
وعن مجئ الأمر للتسوية يقول في قوله تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [7] .
"الأمر هنا للتسوية بقرينة (أو) ولفظة (أو) أيضًا للتسوية مع الإشارة إلى أن الإعطاء هو الأولى ..." [8] .
هذا ولقد أشار القونوي إلى مجئ الأمر للدوام، وللاستحباب، وللتكوين، والاستعجال، ولغير ذلك من المعاني المجازية التي تختلف باختلاف السياق والمقام في مواضع كثيرة من حاشيته. ومن خلال ما سبق في مبحث الأمر يتضح أنه من أكبر مباحث الإنشاء الطلبى
(1) من الآية (65) من سورة البقرة.
(2) الآية (108) من سورة المؤمنين.
(3) ينظر حاشية القونوى 10/ 36.
(4) ينظر حاشية القونوى 10/ 97.
(5) الآية (55) من سورة غافر.
(6) ينظر حاشية القونوى 12/ 30.
(7) الآية (39) من سورة ص.
(8) ينظر حاشية القونوى 11/ 355.