فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الكبيرة من الإمام القونوي تدل على فهم سديد، وإدراك لأسرار النظم القرآنى، والروابط المعنوية بين الجمل نظرًا لما تنطوى عليه أحوال الفصل من أسرار بلاغية لا يفطن إليها إلا الجهابذة من البلاغيين، وكما قال الخطيب:"هذا الفن من علم المعاني، عظيم الخطر، صعب المسلك، دقيق المأخذ لا يعرفه على وجهه ولا يحيط علمًا بكنهة إلا من أوتى في فهم كلام العرب طبعًا سليمًا، ورزق في إدراك أسراره ذوقًا صحيحًا ..." [1] ."ولما قيل للفارسى ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل" [2] .
وهذا يؤكد ما سبقت الإشارة إليه من عناية الإمام القونوي بكل ما يتصل بالنظم القرآنى. وفيما يتصل بالناحية الاصطلاحية لهذا الفن يلاحظ أن القونوي يتفق مع البلاغيين في الحدود والتعاريف ويختلف معهم في التطبيق والتحليل كما سبق في كثير من فنون علم المعاني ففى كمال الاتصال من أحوال الفصل نلمح اتفاقه مع البلاغيين في الحالات التي يكون عليها من التأكيد، والبدل، وعطف البيان، وهو يحرص على إبراز أسرار النظم التي تكمن وراء ترك العطف، كما يلاحظ إشارته إلى الفرق بين نظرة النحاة والبلاغيين إلى صحة العطف وعدم صحته كما في الآية (2) من سورة البقرة وقد مال إلى اختيار ترك العطف لمناسبة المقام، ولكونه أسعد ببلاغة القرآن، ومن هنا نراه في كثير من المواضع يوضح لم صح العطف في بعضها؟ ولم لم يصح في بعضها الآخر؟
وفيما يتعلق بكمال الانقطاع من أحوال الفصل يلاحظ ما نقله عن صاحب المفتاح عند تفسير الآية (6) من سورة البقرة [3] ، كما يلاحظ من خلال كلامه أن كمال الانقطاع لا يعنى انتفاء الجامع بين الجملتين، فوجود التضاد بين الجملتين من القرائن المعنوية التي تؤذن بالربط، وقد سبق تفصيل ذلك في موضعه.
وفيما يتعلق بشبه كمال الاتصال أو الاستئناف البيانى يلاحظ كما سبق أنه من أكبر فنون علم المعاني في حاشية القونوي، ونراه في كثير في المواضع يشير إليه بقوله:"استئناف معاني، واستئنافية بيانية، ومستأنفة، واستئناف بيانى ... الخ". وهذا التنوع في التعبير يدل على العناية والاهتمام، وكما قيل: إن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى!
(1) ينظر الإيضاح 2/ 56.
(2) ينظر البيان والتبيين 1/ 98 ط دار الفكر.
(3) قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}