فهرس الكتاب

الصفحة 446 من 681

التقين في مواضع من حاشيته مبينًا ما ينطوى عليه من أسرار كذلك عطف القصة على القصة، وهو من أجل بحوث الوصل كما سيتضح فيما بعد.

أما عن التطبيق فالقونوي كما سبق يحرص على إبراز الجامع بين الجملتين، وبيان جهة التناسب بينهما والتى حسنت الوصل وجعلته من مقتضى الحال، وسنلاحظ في بعض المواضع إشارته إلى أنه إذا أمكن العطف في موضع لا يسار إلى غيره نظرًا لما ينطوى عليه من أسرار بلاغية. فعن الوصل للتناسب بين الجملتين يقول في قوله تعالى في شأن المتقين: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [1] .

"المقام مقام الفصل لتناسب الجملتين إما في المسند إليه فظاهر وإما في المسند، فلأن كون المتقين على هدى، وكونهم مفلحين متناسبان، إذ التسجيل على كونهم على هدى وكونهم مفلحين شئ واحد، وأن الهدى سبب للفلاح، والفلاح نتيجته ... والخبران هنا مع كونهما متناسبين مختلفان مفهومًا ووجودًا، فإن الهدى سواء كان بمعنى الاهتداء كما هو الظاهر، أو بمعنى الدلالة الموصلة في دار التكليف والفلاح التام وهو الظفر إلى المطلوب بلا شائبة المؤاخذة والمناقشة في دار الجزاء واختلاف مفهومها واضح مع أن إثبات كل منهما أمر مقصور في نفسه، أما الفلاح فظاهر، وأما الهدى فلأنه في نفسه أمر يتلذذ به وتنشرح به الأرواح، ويتنافس فيه المتنافسون، وإن كان وسيلة وسببًا للفلاح، فالجملتان المشتملتان عليهما المستحدثنان في المخبر عنه بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع، فلذا عطفت إحديهما على الأخرى بالواو التي تقتضى التناسب بين المتعاطفين والجامع بينهما ظاهر" [2] .

ويلاحظ هنا التحليل الدقيق الذي يغوص وراء المعنى ليبرز سر الوصل بين الجملتين، فإذا نظرنا إلى تسبب مفهوم إحداهما عن تسبب مفهوم الأخرى، وكون كل منهما مقصورًا

(1) الآية (5) من سورة البقرة.

(2) ينظر حاشية القونوى 1/ 241.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت