فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 681

ويقول القونوي في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [1] .

"المجموع أى مجموع (وإذ ابتلى إبراهيم) مع عامل (إذ) وهو (جملة) (قال) إذ الواو داخلة على قال معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة المفهومة من قوله (يا بنى إسرائيل) .. والجامع مع الاتحاد في المقصد، فإنه شرط في عطف القصة لا الاتحاد في المسند إليه والمسند، فإن الغرض من كل منهما تحريضهم على قبول دين الإسلام، أما في الأول فبتذكير النعمة، والحث على أداء شكرها باتباع الحق، وتخويفهم الساعة المؤدى إلى قبول الحق، وتركيب التعصب مع المحق. وأما في الثانى، فلأنه إذا علم من حاله عليه السلام أنه نال الإمامة العامة بانقياد حكمه تعالى، وأنه لم يستجب دعاءه في حق الظالمين كان ذلك داعيًا إلى اتباع من كان مبعوثًا من ذريته، واتبع ملته، فإن قوله تعالى (وإذا ابتلى إبراهيم) مسوقًا لبيان أن هدى الله هو الهدى ببيان أن ما عليه النبى عليه السلام من التوحيد والإسلام الذي هو ملة إبراهيم عليه السلام، وأن ما عليه أهل الكتابين أهواء فاسدة، ودعاوى زايغة وأن دعواهم بأنهم على ملة إبراهيم إفك جسيم، وافتراء عظيم بتوضيح ما أسسه عليه السلام من بنيان براهين التوحيد، وإبطال الشرك والإلحاد بقول سديد، وفعل رشيد وأما عطفه على اذكروا خوطب به بنو إسرائيل ليتأملوا فيما يحكى من المفاخر والمآثر، فيقتدوا بهم، فخلاف الظاهر، إذ المعنى حينئذ يا بنى إسرائيل اذكروا الحادث وقت ابتلاء إبراهيم عليه السلام، ولا يخفى سخافته، فإن تخصيص الخطاب لم يعهد في مثله" [2] .

ونلمح هنا الغرض المقصود من عطف القصة على القصة، وهو تحريضهم على قبول دين الإسلام، وقد أبرز القونوي أسرار جمال هذا العطف من خلال هذا التحليل الدقيق والأمين، وكلامه في جملته ينم عن فهم وذوق.

حيث أشار إلى أن عطف"وإذا ابتلى"الآية. على (اذكروا) خلاف الظاهر لأن المعنى حينئذ: يا بنى إسرائيل اذكروا الحادث وقت ابتلاء إبراهيم، وتخصيص الخطاب لم يعهد في مثله .. فملاحظة الرابط المعنوى بين الجمل المتعددة، وملاحظة الغرض المسوق له الكلام

(1) الآية (124) من سورة البقرة.

(2) ينظر حاشية القونوى 3/ 247، 248 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت