فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 681

الجامع لا سيما الخيالى، فإن جمعه على مجرى الإلف والعادة بحسب ما تنعقد الأسباب في ذلك كالجمع بين الإبل والسماء والجبال والأرض في قوله تعالى: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [1] .

بالنسبة إلى أهل الوبر، فإن حُلَّ انتفاعهم في معاشهم من الإبل، فتكون عنايتهم مصروفة إليها، وانتفاعهم منها لا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب، وذلك بنزول المطر، فيكثر تقلب وجوههم في السماء، ثم لابد لهم من مأوى يؤيهم، وحصن يتحصنون به، ولا شئ لهم في ذلك كالجبال، ثم لا غنى لهم لتعذر طول مكثهم في منزل عن التنقل من أرض إلى سواها، فإذا فتش البدوى في خياله وجد صور هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور، بخلاف الحضرى، فإذا تلا قبل الوقوف على ما ذكرنا ظن النسق لجهله معيبًا" [2] ."

ولقد أشار الإمام عبد القاهر إلى الجامع في دلائل الإعجاز، وبين أهمية التناسب بين الجمل في العطف، وأن تعطف على الأول ما هو منه بسبب وسأنقل كلامه هنا- باختصار- حتى يتسنى لنا أن نقف على منهج القونوي في بحث الجامع، وكيف وظف كلام البلاغيين لخدمة النظم القرآنى يقول الإمام عبد القاهر:"... . لا تقول زيد قائم وعمرو قاعد حتى يكون عمرو بسبب من زيد، وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين وبحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه أن يعرف حال الثانى، يدلك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئًا ليس منه بسبب، ولا هو مما يذكر بذكره ويتصل حديثه بحديثه لم يستقم، فلو قلت: خرجت اليوم من دارى ثم قلت: وأحسن الذي يقول بيت كذا قلت ما يضحك منه .. واعلم أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدث عنه في الأخرى كذلك ينبغى أن يكون الخبر عن الثانى مما يجرى مجرى الشبيه والنظير أو النقيض للخبر عن الأول فلو قلت: زيد طويل القامة وعمرو شاعر كان خلفاَ لأنه لا مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر، وإنما الواجب أن يقال: زيد كاتب وعمرو شاعر، وزيد طويل القامة وزيد قصير. وجملة الأمر أنها لا تجئ حتى يكون المعنى في هذه الجملة لفقًا لمعنى في الأخرى ومضامًا له، مثل إن"زيدًا"و"عمرًا"إذا كانا"

(1) الآيات (17 - 20) من سورة الغاشية.

(2) ينظر الإيضاح 2/ 79، 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت