أخوين أو نظيرين أو مشتبكى الأحوال على الجملة، كانت الحال التي يكون عليها أحدهما، من قيام أو قعود أو ماشاكل ذلك، مضمومة في النفس إلى الحال التي عليها الآخر من غير شك. وكذا السبيل أبدًا. والمعاني في ذلك كالأشخاص، فإنما قلت مثلًا:"العلم حسن والجهل قبيح"لأن كون العلم حسنًا مضمومًا في العقول إلى كون الجهل قبيحًا" [1] ."
أما عن الإمام القونوي فهو في كثير من المواضع يسير على منهج الإمام عبد القاهر، والذى يقوم على ملاحظة المناسبة بين المعاني، وارتباط بعضها ببعض، وقد سبقت أمثلة كثيرة تظهر هذا المنهج وتوضحه وفى بعض المواضع نجد أن الإمام القونوي يسير على تقسيم المتأخرين إلا أنه يحاول أن يبرز هذا التقسيم في ثوب بلاغي قشيب، من ذلك ما ذكره في قوله تعالى: {وَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} [2] .
"قوله (وقال الملأ الذين) الآية. عطف على (قال الملأ الذين) [3] . الآية والجامع بينهما عقلى، لأنه تعالى لما بين أنهم في ضلال بعيد تكذيب شعيب عليه السلام، ووعيد بإخراجهم عن القرية إن لم يعيدوهم في ملتهم بين هنا أنهم لم يقتصروا على ذلك حتى أضلوا غيرهم ولاموا على متابعته، فهؤلاء عين الأولين، وأظهر لبعده ولمكان الإلتباس، وإنما أخره لأن الإضلال بعد الضلال" [4] .
وقوله تعالى: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [5] . يقول:
"قوله (وقالوا قد مس آباءنا) الآية عطف على (عفوا) والجامع عقلى، إذ العفو والكثرة علة لهذا القول، والتعبير بالمس دون الأخذ بيان منهم لشدة إصابة الضراء والسراء، وأيضًا لا"
(1) ينظر دلائل الإعجاز ص 224 - 226 باختصار.
(2) الآية (90) من سورة الأعراف.
(3) أى قوله تعالى:"قال الملأ الذين استكبروا من قومه .."من الآية (88) .
(4) ينظر حاشية القونوى 6/ 200.
(5) الآية (95) من سورة الأعراف.