فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 681

والإمام القونوي يبين أن في الآية احتمالات ثلاثة: كونها مجازًا مرسلًا علاقته الكلية: بأن ذكر الكل وأراد الجزء، أو مجازًا عقليًا: بإسناد ما للبعض إلى الكل، أو مجازًا بالحذف: أى يجعلون أنامل أصابعهم. وقد اختار المجاز العقلى لأنه أبلغ من المجاز اللغوى، كما أن المبالغة إنما تتأتى إذا كانت الأصابع باقية على حقيقتها، وهنا يتبادر الذهن إلى الأصابع، وأنهم جعلوها في آذانهم قبل الالتفات إلى القرينة المانعة.

ويشير إلى ما ذكره بعض البلاغيين من أن المجاز المرسل لا يفيد مبالغة كالاستعارة وأن ذلك مأول عند صاحب الكشاف بأنه لا يفيد المبالغة كإفادة الاستعارة، بل إفادته دون إفادتها. [1]

وكلام القونوي في جملته كلام سديد، وهو ينظر إلى المجاز العقلى من ناحية أثره في السياق، وما وراءه من دلالات تزيد المعنى بلاغة ودقة تصوير يؤثر في النفس. والبلاغيون وإن ذكروا أن المجاز المرسل يعين على توسيع اللغة، والافتنان في التعبير كما أنه يساعد الأديب على إيراد المعاني بصور مختلفة إلا أنهم اعتبروه أقل أنواع المجاز بلاغة. [2] أما عن المجاز العقلى فهو دقيق المسند، وقد أشار الإمام عبد القاهر إلى بلاغته في دلائل الإعجاز فقال:"اعلم أن طريق المجاز والاتساع فيما ذكرناه قبل إنك ذكرت الكلمة وأنت لا تريد معناها، ولكن تريد معنى ما هو ردف له أو شبيه، فتجوزت بذلك في ذات الكلمة وفى اللفظ نفسه."

وإذ قد عرفت ذلك فاعلم أن في الكلام مجازًا على غير السبيل، وهو أن يكون تجوز في حكم يجرى على الكلمة فقط، وتكون متروكة على ظاهرها، ويكون معناها مقصودًا في نفسه ومرادًا من غير تورية ولا تعريض، والمثال فيه قولهم:"نهارك صائم، وليلك قائم"

(1) ينظر حاشية الشهاب في تفسير الآية 1/ 399 ط دار إحياء التراث العربى.

(2) ينظر مواهب الفتاح 4/ 277، وعروس الأفراح 4/ 277، وبغية الإيضاح 3/ 167 عند الموازنة بين المجاز والحقيقة والكناية والتصريح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت