محمد بن الطيب، فالإعجاز كما يراه يرجع إلى جزالة اللفظ وحسن المعنى اللذين تتحقق بهما الفصاحة وليس فصاحة الكلام بأن يكون له نظم مخصوص، بأن الخطيب عنده قد يكون أفصح من الشاعر، والنظم مختلف إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة، وقد يكون النظم واحدًا وتقع المزية في الفصاحة [1] . ويقول عبد الجبار:"اعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولابد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع ... [2] "وكلام القاضى عبد الجبار يقترب اقترابًا شديدًا من كلام الامام عبد القاهر ت (474) هـ في تفسيره للنظم في كتابه"دلائل الإعجاز"كما يقول الأستاذ الدكتور/ شوقى ضيف وبهذا نصل إلى الإمام عبد القاهر الجرجانى الذي بسط نظرية النظم، وبناها على ارتباط الكلام بعضه ببعض، وبناء الثانى على الأول يقول:"واعلم انك إذا رجعت إلى نفسك علمت علمًا لا يعترضه الشك أن لا نظم في الكلام ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك. هذا ما لا يجهله عاقل، ولا يخفى على أحد من الناس" [3] ثم يوضح أن النظم لا يكون إلا بتوخى معاني النحو، فيقول:"اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشئ منها، وذلك أنا لا نعلم شيئًا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك:"زيد منطق"و"زيد ينطلق"، و"ينطلق زيد"، و"منطلق زيد"، و"زيد المنطلق"، و"زيد هو المنطلق ... ." [4] "
أما عن الإمام الزمخشري ت (538) هـ فلقد استمد فهمه مما ذكره الإمام عبد القاهر الذي تعتبر جهوده تلخيصًا مركزًا لجهود من سبقه، فنظم القرآن كما يتصوره الزمخشري يعنى
(1) ينظر السابق ص 126 باختصار.
(2) ينظر البلاغة تطور وتاريخ ص 116 نقلًا عن المغنى 16/ 199،200.
(3) ينظر دلائل الإعجاز ص 55 بتحقيق الأستاذ/ محمود شاكر ط المدنى ط ثالثة (1413) هـ.
(4) ينظر دلائل الإعجاز ص 81 باختصار.