فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 172

ومعلوم أن الدليل مستلزم لقيمة المدلول عليه، فإذا قُدِّر بطلان المدلول عليه لزم بطلان الدليل، فإذا قُدِّر عند التعارض أن يكون العقل راجحًا والشرع مرجوحًا، بحيث لا يكون خبره مطابقًا لمخبره لزم أن يكون الشرع باطلًا، فيكون العقل الذي دلَّ عليه باطلًا، لأن الدليل مستلزم للمدلول عليه، فإذا انتقص المدلول اللازم وجب انتفاء الدليل الملزوم قطعًا.

أما إذا قُدِّم الشرع، فإن المقدِّم له قد ظفر بالشرع ولو قدر مع ذلك بطلان الدليل القطعي، لكان غايته أن يكون الإنسان قد صدق بالشرع بلا دليل عقلي، وهذا مما ينتفع به الإنسان بخلاف من لم يبق عنده لا عقل ولا شرع. فإن هذا قد خسر الدنيا والآخرة، فكيف والشرع يمتنع أن يناقض العقل المستلزم لصحته. وإنما يناقض شيئًا آخر ليس هو دليل صحته؛ بل ولا يكون صحيحًا في نفس الأمر [1] .

وقد ذهب الفلاسفة أهل المنطق إلى جهالات [ومن ذلك] قولهم: أن الملائكة هي العقول العشرة، وأنها قديمة أزلية، وأن العقل رب ما سواه، وهذا شيء لم يقل مثله أحد من اليهود والنصارى ومشركي العرب، ولم يقل أحد أن ملكًا من الملائكة رب العالم كله ويقولون أن العقل مبدع كل ما تحت فلك القمر، وهذا أيضًا كفر لم يصل إليه أحد من كفار أهل كتاب ومشركي العرب ... [2] .

ويقولون: إن الملائكة هي العقول العشرة أو القوى الصالحة في النفس وأن الشياطين هي القوى الخبيثة، وغير ذلك من عرف فساده بالدلائل العقلية، بل بالضرورة من دين الرسول [3] .

فالعقل قائم بنفس الإنسان التي تعقل، وأما من البدن فهو متعلق بقلبه كما قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46] ، و «قيل لابن عباس: بما نلت العلم؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول» . لكن لفظ القلب قد يراد به المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن، التي جوفها علقة سوداء، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد» . وقد يراد القلب باطن الإنسان مطلقًا فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة واللوزة

(1) درء تعارض العقل والنقل: 5/ 277.

(2) فتاوى الرياض: 9/ 104 - 105.

(3) فتاوى الرياض: 9/ 104 - 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت