إن الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإن الدراسات النفسية المعاصرة هي دراسات غربية في أصول فلسفتها، وفي منهجها .. ونعني بالغربية أنها نابعة من تصورات المجتمع الغربي للإنسان والكون والحياة ..
ومن أبرز أسس هذا التصور الروح المادية المسيطرة على المجتمع الغربي وعلى فكره وحياته كلها.
لذلك كانت التفسيرات جميعها تفسيرات مادية في العلوم الإنسانية، مثل علم النفس وعلم الاجتماع.
ويتجلَّى هذا الاتجاه المادي في تفسير الظواهر النفسية؛ في (الداروينية) التي تعدُّ الإنسان من أصل حيواني، وفي (الفرويدية) التي تعد الجنس أساس الدوافع السلوكية للإنسان، وفي (البرجماتية) وفلسفة المنفعة، التي تعدُّ المنفعة هي أساس العلاقات الاجتماعية بين البشر ..
وأصحاب الاتجاه المادي يهملون أثر الدين والقيم الروحية في توجيه سلوك الإنسان وفي تحقيق صحته النفسية، البعيدة عن القلق والضياع الذين يعاني منهما الإنسان المعاصر في المجتمع الغربي.
ومما يؤسف له أن جامعاتنا الإسلامية ما زالت حتى الآن تدرِّس علم النفس وَفق التصور الغربي له، وسبب ذلك يرجع أولًا إلى تلاميذ علماء النفس الغربيين الذين وضعوا مناهج هذه العلوم في الجامعات الإسلامية. وسبب آخر مهم في هذا المجال هو خلو الساحة العلمية من الدراسات النفسية النابعة من التصور الإسلامي الصحيح ..
ومن هنا نبعت فكرة التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية والاجتماعية ونادى المفكرون المخلصون في العالم الإسلامي بأن التصور الإسلامي للإنسان والكون والحياة يجب أن يكون هو الأساس لجميع العلوم الإنسانية ... ومنها علم النفس والدراسات النفسية ...
وإن دراسة ما خلَّفه علماء الإسلام في مجال الدراسات النفسية، الخُطوةُ الأولى على طريق التأصيل المطلوب، على الرغم من تأثر بعض هؤلاء العلماء بالفكر اليوناني، ومحاولتهم التوفيق بين الفكر اليوناني والفكر الإسلامي، فهم وإن جانبهم الصواب في كثير مما قدَّموا نستفيد من تراثهم في مجال المصطلحات ... ونزن آراءهم بميزان الإسلام.
وهؤلاء العلماء والمفكرون، يختلفون من حيث درجة التأثر بالفكر اليوناني. فمنهم من ذاب في بوتقة الفكر اليوناني تمامًا كالفارابي (م - 905 م) الذي أُطلق عليه اسم المعلم الثاني بعد أرسطوا