-ويؤكد أن العقل غريزة بقوله «فالعقل غريزة جعلها الله عز وجل في الممتحنين من عباده» [1] .
وقال: «فهو غريزة لا يعرف إلا بفعاله في القلب والجوارح، لا يقدر أحد أن يصفه في نفسه ولا في غيره بغير أفعاله» [2] .
ورأى أن العقل غريزة، قال به الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - ومعظم السلف [3] ، والإمام أحمد ممن عاصر المحاسبي، وقد أضاف المحاسبي إلى قوله إن العقل غريزة كلمة «نور» فقال لما سئل عن العقل: «هو نور الغريزة، مع التجارب يزيد ويقوى بالعلم وبالحلم» [4] .
ويعارض المحاسبي قول البعض إن العقل معرفة: «وقد زعم قوم أن العقل معرفة نظمها الله ووضعها في عباده، ويتسع بالعلم المكتسب الدال على المنافع والمضار. والذي هو عندنا أنه غريزة، والمعرفة عنه تكون» [5] .
وكذلك سَمَّى العرب العقل فهمًا «لأن ما فَهِمْتَهُ فقد قيَّدتَه بعقلك وضبطته كما البعير قد عقل، أي قد قيدت ساقه إلى فخذيه» [6] .
وكذلك قالوا عن العقل إنه البصيرة، والبصيرة ظاهرة عقلية، وليست هي العقل عند المحاسبي، لأن البصيرة هي فهم حقاق معاني البيان، وتَحصَل بعد العقل عن الله تعالى، وبعد أن تعظُم معرفته بعظيم قُدْرة الله وبقدر نعمه وإحسانه [7] .
قال: «العقل قسمان: موهوب ومكسوب، فالموهوب خلقه الله، والمكسوب ما يستفاد من التجربة والعبر والأدب والنظر.
وقد شبَّه بعض القدماء العقل الغريزي بالبدن وشبه المكتسب بالغذاء» [9] ، ويظهر هذا القول أن قدامة متاثر بقول المحاسبي بأن العقل نور الغريزة يزيد ويقوى بالعلم [10] .
(1) المرجع السابق، ص 203.
(2) المرجع السابق، ص 204.
(3) الرد على المنطقيين لابن تيمية، ص 94.
(4) طبقات الشافعية للسبكي 2/ 41.
(5) العقل وفهم القرآن، ص 205.
(6) المرجع السابق، ص 208.
(7) المرجع السابق، ص 210.
(8) قدامة بن جعفر بن قدامة بن زياد البغدادي، أبو الفرج، كاتب، من البلغاء الفصحاء المتقدمين في علم المنطق والفلسفة، ويضرب به المثل في البلاغة، توفي ببغداد سنة 337 هـ. له كتب، منها: الخراج، فقد الشعر، جواهر الألفاظ. (الأعلام للزركلي، 5/ 191) .
(9) العقل وفهم القرآن للمحاسبي، ص 186 - 187.
(10) المرجع السابق، ص 187.