ويدلل على الإلهام، وهو أحد مصادر المعرفة لديه، ويعرفه بقوله: «إشراق المعرفة وانبثاقها دفعة واحدة» ، والذي هو نوع من الهداية الربانية للعبد، يدلل عليه بأحاديث متعددة بسطت في مكانها من هذا البحث.
وهذه تأتي في المرتبة الثالثة بعد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من حيث الاستدلال بها.
والاستشهاد بأقوال السلف من الصحابة والتابعين حجة لدى الإمام ابن تيمية لقربهم من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعصر نزول القرآن وفهمه، فضلًا عن أنهم «درجوا في ظل النبوة من معرفة وعلوم متكاملة بدون أن تشوبهم شائبة من التكلف ... » [1] . ويعدّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأوائل في هذا المضمار، يقول - رحمه الله: «وأصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا - مع أنهم أكبر الناس علمًا وعملًا صالحًا - أقل الناس تكلفًا؛ يصدر عن أحدهم الكلمة والكلمتان من الحكمة أو من المعارف ما يهدي به الله أمة، وهذا من فضل الله تعالى على هذه الأمة، ونجد غيرهم يحشون الأوراق من التكليفات والشطحات ما هو من أعظم الفضول المبتدع والآراء المخترعة» [2] .
رابعًا: التوفيق بين العقل والنقل:
وهو من الخصائص المهمة لمنهج ابن تيمية في الوصول إلى المعرفة الحق في نظرياته النفسية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية.
ولابن تيمية كتاب كبير في هذا المجال عنوانه: (درء تعارض العقل والنقل) [3] أو (بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) .
أثبت فيه بشكل مفصل أن لا تعارض بين المعقول الصريح والمنقول الصحيح، ومما ورد في كتابه هذا: «إن الأدلة العقلية الصحيحة البينة التي لا ريب فيها، بل العلوم الفطرية الضرورية توافق ما أخبرت به الرسل لا تخالفه، وإن الأدلة العقلية الصحيحة جميعها موافقة للسمع، لا تخالف شيئًا من السمع، وهذا، ولله الحمد، قد اعتبرته فيما ذكرته عامة الطوائف» [4] .
(1) الحافظ أحمد بن تيمية، لأبي الحسن الندوي ص 181.
(2) نقض المنطق لابن تيمية ص 114.
(3) درء تعارض العقل والنقل - طبعته عام 1401 هـ - 1981 م - جامعة الغمام محمد بن سعود الإسلامية في اثني عشر مجلدًا بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله.
(4) درء تعارض العقل والنقل، 1/ 133.