ومن المعلوم أن الله خلق في النفوس محبة العلم دون الجهل، ومحبة الصدق دون الكذب، ومحبة النافع دون الضار.
وكذلك أيضًا إذا اندفع عن النفس المعارض من الهوى والكبر والحسد، وغير ذلك: أحب القلب ما ينفعه من العلم النافع والعمل الصالح، كما إن الحسد إذا اندفع عنه المرض أحب ما ينفعه من الطعام والشراب، فكل واحد من وجود المقتضى وعدم الدافع سبب للآخر، وذلك سبب لصلاح حال الإنسان، وضدهما سبب لضد ذلك فإذا ضعف العلم غلبه الهوى (لدى) [1] الإنسان، وإن وجد العلم والهوى وهما المقتضى والدافع فالحكم للغالب [2] .
وباعتبار هذه القوى (أي قوة العقل وقوة الغضب وقوة الشهوة) كانت الفضائل ثلاثًا: فضيلة العقل والعلم والإيمان، التي هي كمال القوة المنطقية، وفضيلة الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية، وكمال الشجاعة هو الحلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد ب الصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» ... كما أن كمال القوة الشهوية العفة، فإذا كان الكريم عفيفًا والسخي حليمًا، اعتدل الأمر [3] .
وهذه الطرق الثلاثة: السمع، والبصر، والعقل هي طرق العلم:
-فالبصر: - وهو المشهود الباطن والظاهر - يدرك ما في هذه الحركات والإرادات من الملاءمة المتأخرة والمنفعة والمضرة العاجلة.
-السمع: - وهو وحي الله وتنزيله - يخبر بما يقصر الشهود عن إدراكه من منفعة ذلك ومضرته في الدار الآخرة.
-والقلب: يعقل هذا المشهود وهذا المسموع، فلا بد من أن يعقل ما أمر الله به واخبر، كما لا بد أن يعقل ما شدنا وما حسسنا فيعقل الشهادة والغيب، بمعنى ضبط العلم بجريان ذلك على وجه كلي ثابت في النفس [4] .
(1) في الأصل فراغ، ووضعت الكلمة لإتمام المعنى.
(2) الفتاوى: 15/ 241 - 242.
(3) الفتاوى: 15/ 432.
(4) مسألة فيما إذا كان في العبد محبة لما هو خير وحق ومحمود في نفسه لابن تيمية، ص 747 - 748.