وكل من الفطرة السليمة والشريعة يكمل بعضها بعضًا للوصول إلى العمل الأخلاقي الصالح، يقول ابن تيمية: «وذلك الأمر والنهي والوعد والوعيد (في الشرع) هو تكميل للفطرة، وكل منهما عون على الآخر، فالشريعة تكميل للفطرة الطبيعية، والفطرة الطبيعية مبدأ وعون على الإيمان بالشرع والعمل به، والسعيد من دان بالدين الذي يصلحه فيكون من أهل العمل الصالح في الآخرة، والشقي من لم يتبع الدين ويعمل العمل الذي جاءت به الشريعة» [1] .
وهكذا نتوصل إلى أن مصدر الإلزام الخلقي يقوم على أسس ثلاث:
1 -الفطرة.
2 -والعقل.
3 -ثم الشرع الذي يعطي الحكم النهائي على العمل الأخلاقي.
مر معنا أن من معاني العقل عند ابن تيمية علم يحصل بالغريزة، وأيضًا: العمل بهذا العلم [2] ، فإذا لم يعمل بهذا العلم فلا يعد عاقلًا، وهكذا فإن العقل هو الذي يدفع إلى العمل الصالح، وعدم العمل بما يقتضيه العقل، يعد من الجهل الذي يودي بصاحبه إلى الشقاء، قال تعالى: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] ، ويقول القرآن عن المنافقين: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14] . فالعقل إذًا هذه القوة الباطنة في الإنسان، هو الذي يوجه الإنسان إلى الخير والعمل الصالح، ويبعده عن الشر والرذيلة.
وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم حينما صور حال الكافرين: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الطور: 32] .
وهذه الآية تبين قاعدة مهمة لدوافع السلوك الأخلاقي لدى الإنسان، هذه القاعدة المستندة على العقل المستنير بهدى الشرع.
وهكذا فإنا لعقل قوة دافعة نحو السلوك الخلقي، ولا «يسمى عاقلًا إلا من عرف الخير فطلبه والشر فتركه» [3] .
وهكذا نجد أن القوة العقلية، المفطورة في الإنسان، يمكن أن تغلب القوى الأخرى، المفطورة فيه أيضًا، مثل قوة الشهوة، وقوة الغضب، وبهذه الغلبة يسمو الإنسان حتى يصبح خيرًا من الملائكة،
(1) مسألة فيما إذا كان في العبد محبة لابن تيمية ص 452.
(2) فتاوى الرياض 7/ 539.
(3) الإيمان الكبير، لابن تيمية ص 43.