ويثبت ابن تيمية أن كل المعقولات التي تعارض النقل ما هي إلا أوهام اخترعها العقل لا تستند إلى أساس من العلم، ويقول: «إن ما يدعونه من العقليات المخالفة للنصوص لا حقيقة لها عند الاعتبار الصحيح، وإنما هي من باب القعقعة بالشنان لمن يفزعه ذلك من الصبيان، وإذا أعطي النظر في المعقولات حقه من التمام وجدها براهين ناطقة بصدق ما أخبر به الرسول، وأن لوازم ما أخبر به لازم صحيح، وأن من نفا، نفاه لجهله بحقيقة الأمر وفزعًا باطنًا وظاهرًا كالذي يفزع من الآلهة المعبودة، دون الله، أن تضره ويفزع من عدو الإسلام لما عنده من ضعف الإيمان» [1] .
إن من يطالع كتب ابن تيمية يجده متبحرًا في اللغة العربية ومطلعًا على دقائقها وأسرارها، لذلك هو يُسخّرها للتدليل على آرائه ونظرياته العقدية والنفسية بخاصة، بل يستفيد منها في منهج المعرفة بعامة. لذلك هو يرجع إلى اللغة العربية لفهم النص القرآني إذا لم يرد له تفسير في آي آخر من القرآن أو من السنة أو من أقوال الصحابة والتابعين. ويأخذ بظاهر المعنى اللغوي، ولا يصرفه إلى المجاز إلا بقرينة، أو يكون هناك دليل يوجب صرفه عن حقيقته إلى مجازه.
ونضرب أمثلة لتحليله اللغوي للوصول إلى الحقيقة مما يتعلق بموضوع الدراسات النفسية.
يقول - رحمه الله - في كتابه الرد على المنطقيين: «فالعقل في لغة الرسول وأصحابه وأمته عَرَض من الأعراض، يكون مصدر عَقَل يَعقلُ» [2] .
وفي تعريفه للقلب يقول: «وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقًا، فإن قلب الشيء باطنه كقلب اللوزة والجوزة ونحو ذلك، وقد سمي القليب قليبًا لأنه أخرج قلبه أي باطنه» [3] .
ويقول في انقسام أمم الأرض - في عهده - باعتبار القوى الفطرية الثلاث في الإنسان، وهي: القوة العقلية والقوة الغضبية والقوة الشهوية: «وباعتبار القوى الثلاث، انقسمت الأمم التي هي أفضل الجنس الإنساني، وهم: العرب والروم والفرس، فإن هذه الأمم هي التي ظهرت فيها الفضائل الإنسانية.
فغلب على العرب القوة العقلية المنطقية، واشتق اسمها من وصفها فقيل لهم: عرب؛ من الإعراب، وهو البيان والإظهار، وذلك خاصة القوة المنطقية.
(1) بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول 4/ 153.
(2) ص 276.
(3) فتاوى الرياض 9/ 303.