وهذا التأويل لا يعلمه إلا الله ولهذا كان السلف يقولون: الاستواء معلوم والكيف مجهول فيثبتون العلم بالاستواء: وهو التأويل الذي بمعنى التفسير، وهو معرفة المراد بالكلام حتى يتدبر ويعقل ويفقه، ويقولون: الكيف مجهول: وهو التأويل الذي انفرد الله بعلمه وهو الحقيقة التي لا يعلمها إلا الله.
وأما التأويل بمعنى: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، كتأويل من تأول: استوى بمعنى استولى، ونحوه فهذا عند السلف والأئمة باطل لا حقيقة له، بل هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته [1] .
يا منطق اليونان ما أفسده ... وعن طريق الحق ما أبعده
ولسهيل الغي ما أطلبه ... وعن سبيل الرشد ما أهربه
وبقضايا الإفك ما أحذقه ... وفي خلاف الصدق ما أصدقه
وفي قضاياه فما أكذبه ... وفي انتقاض الحكم ما أعجبه
وإن تقل ما فيه ما أظهره ... ولصريح العقل ما أذهبه [2]
أما بعد فإني كنت دائما ًأعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد، ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأيت صدق كثير منها، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه وكتبت في ذلك شيئًا.
وهؤلاء يقولون: إن المنطق ميزان العلوم العقلية، ومراعاته تعصم الذهن عن أن يغلط في فكر، كما أن العروض ميزان الشعر، والنحو والتصريف ميزان الألفاظ العربية المركبة والمفردة، وآلات المواقيت موازين لها.
ولكن ليس الأمر كذلك فإن العلوم العقلية تعلم بما فطر الله عليه بني آدم من أسباب الإدراك، لا تقف على ميزان وضعي لشخص معين، ولا يقلد في العقليات أحد بخلاف العربية، فإنها عادة لقوم لا تعرف إلا بالسماع، وقوانينها لا تعرف إلا بالاستقراء بخلاف ما به يعرف مقادير الكيلات، والموزونات، والمزروعات، والمعدودات، فإنها تفتقر إلى ذلك غالبًا لكن تعيين ما به يكال ويوزن بقدر مخصوص أمر عادي [3] .
(1) درء تعارض العقل والنقل: 5/ 383.
(2) قال المحقق:"وجدت هذه الأبيات بخط ابن تيمية في ظهر أحد المخطوطات". انظر: درء تعارض العقل والنقل 1/ 63.
(3) الرد على المنطقيين، ص 3، إدارة ترجمان السنة، لاهور، باكستان، 1368 هـ/1949 م.