ويقصد به في هذا المجال الانتقال من مقدمات مسلمة البرهان أو واضحة للعيان إلى نتائج صحيحة لازمة ..
ويعد ابن تيمية أسلوب الاستدلال من الأدلة العقلية على صحة الشرع، ونتائجه موافقة للشرع، وهو وسيلة لإفحام الخصم أو إقناعه وتسليمه بالمطلوب. ويبرهن ابن تيمية على انتشار الأدلة العقلية وكثرتها في الكتاب والسنة وتنوعها، وذلك ردًا على المتفلسفة والمتكلمين الذين زعموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين أصول الدين وأدلته العقلية.
ويسمي ابن تيمية ما جاء عن الرسل بـ (أدلة السمع) أو (دلالة السمع) في مقابل (أدلة العقل) لأن الأولى تبلغنا عن طريق السمع والأخبار [1] فيقول: «وأما إذا عرف أن دلالة السمع تتناول الأخبار، وتتناول الإرشاد والتنبيه، والبيان للدلائل العقلية، وأن الناس، كما يستفيدون من كلام المصنفين والمعلمين الأدلة العقلية التي تبين لهم الحق، فاستفادتهم ذلك من كلام الله أكمل وأفضل، فتلك الأدلة عقلية باعتبار أن العقل يعلم صحتها إذا نَبَّه عليها، وهي شرعية باعتبار أن الشرع دلَّ عليها وهدى إليها؛ فعلى التقديرين تكون الأدلة حينئذ شرعية عقلية» [2] .
وقد قسم ابن تيمية طرق الاستدلال في القرآن الكريم، وهي طرق شرعية وعقلية بالوقت نفسه، إلى طريقين:
أ - الاستدلال بالآيات القرآنية.
ب - الاستدلال بقياس الأَوْلى في القرآن.
يفرق ابن تيمية بين الآية القرآنية وبين القياس المنطقي الذي قال به أرسطو .. فالآية القرآنية دليل وعلامة تؤكد عين المدلول، وليس غيره. وفي هذا تأكيد أن المدلول القرآني لا يكون أمرًا كليًا مشتركًا بين المطلوب وغيره - فالشمس آية النهار {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12] ، فنفس العلم بطلوع الشمس يوجب العلم بوجود النهار [3] ، وكذلك «آيات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، نفس العلم بها يوجب العلم بنبوته بعينه، ولا يوجب أمرًا كليًا مشتركًا بينه وبين غيره» [4] .
(1) ابن تيمية، للأستاذ عبد الرحمن النحلاوي ص 69 - 70.
(2) درء تعارض العقل والنقل 8/ 36 - 37.
(3) الرد على المنطقيين ص 153.
(4) المرجع السابق ص 151.