فما هو السبر والتقسيم؟
أطلق الأصوليون اسم السبر والتقسيم على القياس الشرطي المنفصل، وسماه الجدليون: «التقسيم والترديد» [1] .
ومعنى كل ذلك أن ما من شيء إلا وله مؤثر لا يوجد بدونه، وله كذلك ضد يعارض وجوده، ونستطيع الاستدلال على هذا الشيء بثبوت ملزومه وعلى انتفائه بانتفاء لازمه [2] .
من المعلوم أن الاستقراء - حسب التعريف الميسر له - هو الانتقال من الوقائع إلى القوانين، والذي يعد من أسس التجربة العلمية. والفرق بينه وبين الاستنتاج الصوري أن هذا الأخير ينتقل من مقدمات نظرية ليصل إلى نتائج نظرية قد لا تكون لها صلة بالواقع.
بينما الاستقراء فإنه ينتقل من ظواهر الطبيعة الواقعية والقائمة على مبدأ العلية والاطراد .. إلى القوانين الطبيعية التي أوجدها الله في الكون .. وعمل الإنسان على اكتشاف هذه القوانين التي كان لها الأثر في التقدم العلمي الإنسان عن طريق التجربة ..
وابن تيمية نادى بهذا الطريق العلمي للوصول إلى اليقين العلمي، قبل أي عالم غربي .. إذ إن مصدر العلية عنده هو الخبرة الإنسانية، وهذا يعني أننا لا نصل إلى هذا التصور بالاستدلال المنطقي، كما أن العلية ليست فكرة قبلية راسخة في الذهن، ولكنها فكرة تقررت في الأذهان بعد الملاحظة المتكررة بين حادثة وأخرى أو ظاهرة وأخرى.
أما الدوران الذي يقول به ابن تيمية، وهو دوران الأثر المعين مع الأثر الآخر المعين، هو دوران العلة مع المعلول، وهو يعتقد أن الخبرة الإنسانية تدلنا على تتابع الظواهر الطبيعية واحدة بعد واحدة وعلى نحو ثابت ومتكرر، فما هو ثابت دائمًا يسميه العلة وما هو تابع لذلك هو المعلول.
وقد وضع ابن تيمية شروطًا لأحداث التتابع الظاهر بين حدثين معينين أو ظاهرتين أو بين علة ومعلول.
فلا يكفي بنظر ابن تيمية أن توجد العلة لكي تنتج المعلول، بل يجب إثبات هذه العلة والتحقق من أنها هي فعلًا العلة الفاعلة التي أنتجت الأثر [3] .
(1) المرجع السابق ص 205.
(2) المرجع السابق ص 210.
(3) منطق ابن تيمية ومنهجه الفكري، ص 167، وكذلك الرد على المنطقيين ص 209.