فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 172

وقد كانت الأمم قبلهم تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع، وعامة الأمم بعدهم تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم [1] .

وجماهير العقلاء من جميع الأمم يعرفون الحقائق من غير تعلم منهم لوضع أرسطو، وهم إذا تدبروا أنفسهم وجدوا أنفسهم تعلم حقائق الأشياء بدون هذه الصناعة الوضعية [2] .

فإذا قال القائل: (إنسان) كان للفظه وجود في لسانه، وللمعنى وجود في ذهنه، ووقوع هذا على زيد وعمر كوقوع هذا على زيد وعمر، وهذا هو المعنى الذي سميته معقولًا، وجعلته معقولًا صرفًا وهل يكون المعقول الصرف إلا في الحي العاقل؟ فإن المعقول الصرف الذي لا يتصور وجوده في الحس هو ما لا يوجد إلا في العقل، وما لا يوجد إلا في العقل لم يكن موجودًا في الخارج عن العقل فالتفتيش الذي أخرج من المحسوس ما ليس بمحسوس أخرج منه المعقولات المحضة التي يختص بها العقلاء، وهي الكليات الثابتة في حقول العقلاء فإن الإنسان إذا تصور زيدًا أو عمرًا ورأى ما بينهما من التشابه انتزع عقله من ذلك معنى كليًا معقولًا، لا يتصور أن يكون موجودًا في الخارج عن العقل.

فهذا هو وجود الكليات، وهذه الكليات المعقولة أعراض قائمة بالذات العاقلة، لا توجد إلا بوجودها، وتعدم لعدمها، وليس بينها وبين الموجودات الخارجية تلازم، بل يمكن وجود أعيان في الخارج من غير أن يعقل الإنسان كلياتها، ويمكن وجود كليات معقولة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج، كما يعقل الأنواع الممتنعة لذاتها وغير ذلك، فمن استدل على إمكان الشيء ووجوده في الأعيان بإمكان تصوره في الأذهان كان في هذا المقام أضل من بهيم الحيوان [3] .

وأما طريقة الإلهام، فالإلهام الذي يدعى في هذا الباب هو عند أهله علم ضروري، لا يمكنهم دفعه عن أنفسهم، أو مُستندٌ إلى أدلة خفية لا تقبل النقض فلا يمكن أن يكون باطلًا.

وأما الاستدلال على الأحكام بالإلهام، فتلك مسألة أخرى ليس هذا موضوعها، والكلام في ذلك متصل بالكلام على الاستحسان والرأي وأنواعهما، وأن ما يعينه هذا بالاستحسان قد يعينه هذا الإلهام وليس الكلام فيما عُلم فساده من الإلهام لمخالفته دليل الحس والعقل والشرع، فإن هذا

(1) المصدر السابق، ص 26 - 27.

(2) المصدر السابق، ص 28.

(3) درء تعارض العقل والنقل: 5/ 133 - 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت