الإحساس الباطن هو إدراك الأمور الباطنة كما رأينا آنفًا ..
ولكن ما هي الحواس التي تدرك الأمور الباطنة؟ وهل وجودها ضروري لعملية الإدراك؟.
-أما الإجابة عن السؤال الأول، فإن ابن تيمية أورد هذه الحواس في كتابه «درء تعارض العقل والنقل» وكذلك في فتاويه، وذكر من الحواس الباطنة: الحس المشترك والخيال والوهم والذاكرة أو الحافظة.
وهذه الحواس ذكرها من قبلُ أرسطو [1] اليوناني وتباعه بها الفارابي [2] وذكرها بعد ذلك ابن سينا [3] الغزالي بشكل مفصل ودقيق.
وذِكْرُ ابن تيمية لها ليس لذاتها، أو لمجرد معرفتها كما هو دأب الفلاسفة، إنما ذكرها، ليوظفها في تأكيد الإيمان بالله تعالى والرد على الملاحدة والدهريين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وغيرهم ممن تنكبوا طريق الإيمان الصحيح. وأضاف إلى هذه الحواس؛ الإحساس الفطري بالله في قلوب الناس جميعًا. يقول ابن تيمية من خلال مناقشته لبعض المذاهب حول طرق إثبات وجود الله سبحانه وتعالى: «وأما الطريق الثاني وهو إدراك الحواس، فلا ريب أنهم لا يقولون أنهم يدركونه تعالى بالحس الظاهر، بل يقولون: إن الحس نوعان: ظاهر وباطن، والإنسان يحس بباطنه الأمور الباطنة كالجوع والعطش والشبع والري والفرح والحزن واللذة والألم ونحو ذلك من أحوال النفس.
فهكذا يحسون ما في بواطنهم من محبته سبحانه وتعظيمه والذل له والافتقار إليه مما اضطروا إليه وفطروا عليه، ويحسون أيضًا ما يحصل في بواطنهم من المعرفة المتضمنة لمثله الأعلى في قلوبهم» [4] .
ويؤكد ابن تيمية الإحساس الفطري الباطن ويستشهد على ذلك في تجلّي الحقائق في القلب الذي يكون مستعدًا لذلك بالعبادة والإخلاص لله والتقوى [5] .
(1) أرسطو: فيلسوف يوناين، عاش بين عامي (384 - 322 ق. م) أثَّر كثيرًا بمن يسمون بفلاسفة العرب. من مؤلفاته: المقولات، والجدل، والخطابة، والنفس ..
(2) الفارابي: (أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ) ولد سنة 260 هـ، وتوفي سنة 339 هـ في دمشق، وأصله من فاراب، درس في حران وبغداد وأقام في بلاط سيف الدولة بحلب، كان متضلعًا بالمنطق والفلسفة والموسيقى ولقب بالمعلم الثاني بعد أرسطو (المعلم الأول) من مؤلفاته المشهورة: آراء أهل المدينة الفاضلة، ورسالة في العقل، والتوطئة في المنطق، وإحصاء العلوم.
(3) ابن سينا: (أبو علي الحسين بن عبد الله) فيلسوف وطبيب عرف بالشيخ الرئيس، ولد في أفشنة قرب بخارى سنة 370 هـ، وتوفي بهمذان سنة 428 هـ، درس فلسفة أرسطو وتأثر بالأفلاطونية الحديثة التي تزعمها (أفلوطين) .. وقال بالفيض الإلهي .. الذي أثر في الصوفية بعد ذلك .. نشأ إسماعيليًا كما ذكر هو في ترجمته الذاتية .. من مؤلفاته: القانون في الطب - والإشارات والتنبيهات.
(4) درء تعارض العقل والنقل 8/ 40 و 41. وانظر أيضًا 6/ 108.
(5) انظر كلام ابن تيمية في الإلهام الذي سيرد في طرق الإدراك العقلي.