فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 172

ويقول ابن تيمية أيضًا: «وأما حجة أهل الذوق والوجد والمكاشفة والمخاطبة، فإن أهل الحق من هؤلاء لهم إلهامات صحيحة مطابقة، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر» ، وفي الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» ، ثم قرا قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75] .

وقال بعض الصحابة: «أظنه - والله أعلم: الحق يقذفه الله على قلوبهم وأسماعهم» ، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجه التي يمشي بها» وفي رواية: «فيَّ يسمع، وفيَّ يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي» [1] .

وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ويكتب بذلك إلى عماله: «احفظوا عن المطيعين لله ما يقولون، فإنه يتجلى لهم أمور صادقة» .

وبعد أن يدلل ابن تيمية على وجود الإلهام، وأنه طريق من طرق المعرفة، يبين طريق اكتسابه، وأنه يمكن للمؤمن أن يكون من الملهمين بإذن الله، فيقول: «فكلما استعمل العبد عقله، وعمل بعلمه، وأخلص في عمله، وصفا ضميره، وجال بفهمه في بصيرة العقل، وذكاء النفس، وفطنة الروح، وذهن القلب، وقوى يقينه، ونفى شكه، وضبط حواسه بالآداب النبوية، وقام على خواطره بالمراقبة، وتحرى ترك الكذب في الأقوال والأفعال، وصار الصدق وطنه، وذهب عنه الرياء والعجب، وأظهر الفقر والفاقة إلى معبوده، وتبرأ من حوله وقوته، ولزم الخدمة، وقام بحرمة الأدب وحفظ الحدود والاتباع، وهرب من الابتداع؛ زيد في معرفته وقويت بصيرته وكوشف بما غاب عن الأعيان، وصار من أهل الزيادة بحقيقة مادة الشكر الموجبة للمزيد» [2] .

ويميز ابن تيمية بين الإلهام الذي يلهمه الله لعباده المؤمنين، وبين الهوى وما يلقي الشيطان على غير المؤمنين من الكافرين والعصاة، والميزان في ذلك هو الكتاب والسنة. يقول: «وكل من خالف الرسول لا يخرج عن الظن وما تهوى الأنفس، فإن كان ممن يعتقد ما قاله وله فيه حجة ويستدل

(1) درء تعارض العقل والنقل 8/ 518.

(2) درء تعارض العقل والنقل 8/ 518.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت