فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 172

ويأتي ابن تيمية ويضع الإلهام في مرتبته الحقيقية، حيث وضعه فيها الكتاب والسنة، وينقد نقدًا شديدًا ابن عربي، ويبين انحرافه عن طريق الإسلام، وإلحاده بقوله في وحدة الوجود»، ويُخَطّئ الغزالي في رأيه أن الإلهام الطريق الوحيد للمعرفة، ويبين أنه أحد طرق المعرفة، وهو نتيجة للتربية الإيمانية الملتزمة بالكتاب والسنة، لا أنه هدف كلي للإنسان، يحتاج إلى تربية صوفية معينة، مثل الخلوة والذكر المفرد وغيره، وعَدَّ ما يحصل للمريد الصوفي، إن هو إلا خيالات وأوهام لا أساس لها في المعرفة اليقينية [1] .

فالإلهام حق وليس باطلًا عند ابن تيمية، وهو علم صحيح لا يقبل النقض، يقول في كتابه: درء تعارض العقل والنقل: «وأما طريقة الإلهام، فالإلهام الذي يدعى في هذا الباب هو - عند أهله - علم ضروري لا يمكنهم دفعه عن أنفسهم، أو مستند إلى أدلة خفية لا تقبل النقض، فلا يمكن أن يكون باطلًا» [2] .

ويدلل ابن تيمية على وجود الإلهام وواقعية حدوثه من الكتاب والسنة وسيرة الصحابة، ففي القرآن الكريم نجد أن الإلهام أحد دلالات الهدى. يقول: «وقد يراد بالهدى الإلهام، ويكون الخطاب للمؤمنين المطيعين، الذين هداهم الله إلى طاعته، فإن الله تعالى أراد أن يتوب عليهم ويهديهم، فاهتدوا، ولولا غرادته لهم ذلك لم يهتدوا، كما قالوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 43] » [3] .

«وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث وابصة: «البر ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب، والإثم ما حاك في نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك» وهو في السنن».

«وفي صحيح مسلم عن النواس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس» .

ويتابع ابن تيمية التدليل على وجود الإلهام بقوله: «فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن، يقينًا أو ظنًا، فالأمور الدينية كذلك بطريق الأولى، فإنه إلى كشفها أحوج، لكن هذا في الغالب لا بد أن يكون كشفًا بدليل، وقد يكون الدليل ينقدح في قلب المؤمن ولا يمكنه التعبير عنه، وهذا أحد ما فسر به معنى الاستحسان» [4] .

(1) ينقد ابن تيمية منهج المعرفة عند الصوفية عامة، وعند الغزالي خاصة في كتاب فتاوى الرياض 13/ 230 - 269، و 10/ 393 - 407 و 2/ 57، وينقد ابن عربي في كثير من كتبه، ومن ذلك فتاوى الرياض 2/ 112 - 125.

(2) درء تعارض العقل والنقل 8/ 46.

(3) فتاوى الرياض 10/ 582 - 583.

(4) فتاوى الرياض 10/ 476 - 477.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت