فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 172

يقول في كتاب النبوات: «كلامهم في الخلق والبعث والمبدأ والمعاد وفي إثبات الصانع ليس فيه تحقيق العلم لا عقلًا ولا نقلًا، وهم معترفون بذلك كما قال الرازي: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رايتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق، طريقة القرآن» [1] .

يرفع ابن تيمية من شأن العقل الإنساني ويعده أساس التكليف - كما رأينا آنفا -. إلا أن هذا العقل له حدود لا يستطيع تجاوزها، لذلك يقصر باعه عن الإحاطة بالحقائق الغيبية، يقول: «فإن نفس الغريزة العقلية التي تكون للشخص قد تعجز عن إدراك كثير من الأمور، لا سيما الغائبات، فمن رام بعقل نفسه أن يدرك كل شيء كان جاهلًا» [2] .

ويؤكد ابن تيمية - يرحمه الله - أن المنطق إذا عُدَّ ميزانًا عقليًا، فهو يعجز عن إدراك الحقائق الدينية والإلهية، ووزن الحقائق الغيبية به يماثل وزن الذهب والفضة في ميزان الحطب والحديد والرصاص والحجارة، يقول: «ومن المعلوم أن موازين الأموال لا يقصد أن يوزن بها الحطب والرصاص دون الذهب والفضة، وأمر النبوات وما جاءت به الرسل أعظم في العلوم من الذهب في الأموال» [3] .

وقد أكد هذا الأمر - أي محدودية العقل - أيضًا ابن خلدون في مقدمته المشهورة حيث يقول: «بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك، على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن العقل قد يقف عنده ولا تعدى طوره، حتى يكون له أن» يحيط بالله وصفاته فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه [4] .

وهكذا نجد أن أمور الغيب، وحقائقها، لا تدرك بالعقل وعلى المؤمن أن يؤمن بها كما أنزلت في القرآن الكريم، وكما جاءت في السنة الصحيحة.

(1) النبوات: 148.

(2) درء تعارض العقل والنقل: 7/ 326.

(3) نقض المنطق ص 163.

(4) مقدمة ابن خلدون ص 460، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - لبنان (دون تاريخ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت