فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 172

كلام معلمهم الأول - أرسطو - وتدبره الفاضل العاقل، لم يفده إلا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب العالمين».

ويقول: «وأما ما جاءت به الأنبياء فلا يعرفه هؤلاء البتة، وليسوا قريبين منه، بل كفار اليهود والنصارى أعلم منهم بالأمور الإلهية، ولست أعني بذلك ما اختص الأنبياء بعلمه من الوحي الذي لا يناله غيرهم؛ فإن هذا ليس من علمهم ولا من علم غيرهم، وإنما أعني العلوم العقلية التي بينها الرسل للناس بالبراهين العقلية في معرفة الرب وتوحيده، ومعرفة أسمائه وصفاته، وفي النبوات والمعاد، وماجاؤوا به من مصالح الأعمال التي تورث السعادة في الآخرة، فإن كثيرًا من ذلك لم يشمُّوا رائحتها، ولا في علومهم ما يدلّ عليها، وأما ما اختصت الرسل بمعرفته وأخبرت به من الغيب [عن طريق الوحي الإلهي] فذلك أمر أعظم من أن يذكر في ترجيحه على الفلسفة، وإنما المقصود الكلام في العلوم العقلية، دع ما جاءت به الأنبياء فإنه مرتبة عالية» [1] .

ويبين ابن تيمية أسباب جهل الفلاسفة اليونان بالعلوم الإلهية والحقائق الغيبية ... يقول: «أما الغيب الذي يخبر به الأنبياء والكليات العقلية التي تعم الموجودات كلها، وتقسم الموجودات قسمة صحيحة فلا يعرفونها البتة، فإن هذا لا يكون إلا لمن أحاط بأنواع الموجودات وهم لا يعرفون إلا الحساب وبعض لوازمها، وهذا معرفة بقليل الموجودات جدًا» [2] .

ويوجه ابن تيمية نقده أيضًا إلى من يسمَّون بفلاسفة الإسلام أمثال ابن سينا والفارابي والكندي وغيرهم، وهم من أتباع الفلاسفة اليونانية، ولم يستفيدوا من نور الهداية الذي كان بمتناول أيديهم. يقول: «إن هؤلاء المتفلسفة المتأخرين في الإسلام من أجهل الخلق عند أهل العلم والإيمان، وفيهم من الضلال والتناقض ما لا يخفى على الأذكياء من الصبيان، لأنهم لما التزموا ألا يسلكوا إلا سبيل سلفهم الضالين وألاّ يقروا إلا بما يبنونه على تلك القوانين، وقد جاءهم النور والهدى والبيان ما ملأ القلوب والألسنة والآذان، وصاروا بمنزلة من يريد أن يطفئ نور الشمس بالنفخ بالهباء أو يغطي ضوءها بالعباء» [3] .

ولا يكتفي شيخ الإسلام بذلك النقد للفلسفة اليونانية وتلامذتها من المسلمين، بل وجه نقده إلى علم الكلام والمتكلمين الذين حاولوا الدفاع عن الإسلام لكنهم اتخذوا أساليب الفلسفة ومقدماتها ومصطلحاتها القاصرة المحدودة لإحقاق الغيبية الدينية التي كانت تختص بمفاهيمها الخاصة [4] .

(1) الرد على المنطقيين: ص 294 - 295.

(2) تفسير سورة الإخلاص: ص 6.

(3) الرد على المنطقيين: ص 221.

(4) انظر: الحافظ ابن تيمية للندوي: ص 176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت