النوع الأول: العقول البرهانية القادرة على متابعة دليل يقيني محكم، وتصل إلى نتائج بينة ضرورية، وربط هذه الأدلة هو الذي يكوِّن الفلسفة، ولكن هذا لا يتسنى إلا لقلة من العقول الموهوبة، بالقدر الذي يجعلها تكرس نفسها لها.
النوع الثاني: عقول منطقية تكتفي بالبراهين الجدلية.
النوع الثالث: العقول التي تستجيب للوعظ والأدلة الخطابية، وهذه غير مهيأة لاتباع الاستدلال المنظم.
والعقول الأخيرة نجدها عند الناس العاديين، وهم السواد الأعظم الذين لا يستجيبون إلا للخيال والعاطفة فحسب [1] .
ويرد أبو بكر بن العربي على الفلاسفة منكرًا هذه الأنواع للعقل، ويقول بأنها أسماء لا فائدة تحتها، وتهويلات لا طائل وراءها، وذلك أن الأشياء والمدركات تسمى في نظره علمًا لا عقلًا، حيث قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل: 52] كما أطلق عليها عقلًا بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] .
فالعقل عند ابن العربي هو العلم، وهو صفة يتأتى بها إدراك العلوم، وهذا التعريف للعقل هو أحد مقولات ابن تيمية في تعريف العقل كما سترى عند بحثنا للعقل عنده - رحمه الله -.
أعطي هنا لمحات فقط عن العقل عند بعض الفلاسفة في القرون الوسطى والحديثة - وليس كلهم -، ولا أتعمق في حدوسهم ... وأقول حدوسهم لأعبر أن فلسفتهم آراء وتأملات مبنية على رؤيتهم العقلية للوجود والحياة ... وقد تصل إلى بعض الحقيقة، وقد لا تصل ... ولكن حتى أعطي القارئ الكريم صورة عن أسلوب تفكيرهم ونتائج هذا التفكير ... التي قد تلتقي مع الفكر الإسلامي وقد لا تلتقي، بل قد تكون ضده كما تمثل ذلك في الفلسفة المادية الإلحادية عند كل من ماركس فيلسوف الشيوعية، وسارتر فيلسوف الوجودية.
وحتى يقارن المسلم بين حدوس الفلاسفة البشرية حول أثر العقل الإنساني في الحياة، ونتاج الفكر الإسلامي لدى ابن تيمية - رحمه الله - كما سأبينه بإذن الله في هذه الدراسة، ومن هؤلاء الفلاسفة [2] :
(1) ارجع إلى: تراث الإسلام لشاخت وبوزرورث، ترجمة الدكتور محمد زهير السمهوري، القسم الثاني ص 209، سلسلة عالم المعرفة - الكويت 1398 هـ - 1978 م.
(2) انظر: العقل في مجرى التاريخ. د. علي شلق. ص 111 وما بعدها، دار المدى، بيروت: لبنان.