وإذا كان كذلك، فالإدراك الصحيح الذي يسمونه هم توهمًا وتخيلًا هو نوع من التصور والشعور والمعرفة [1] .
ويُقوِّم ابن تيمية الخيال والوهم من حيث صدقهما أو كذبهما أو مطابقتهما للحق أو للباطل، لأنه ليس كل تخيل صادق وحق، بل منه ما كان صادقًا ومنه ما كان كاذبًا. يقول: «الوهم والخيال يراد به ما كان مطابقًا وما كان مخالفًا. فأما المطابق مثل توهم الإنسان لمن هو عدوه أنه عدوه. وتخيل الإنسان بصورة ما رآه في نفسه بعد مغيبه، فهذا الوهم والخيال حق وقضاياه صادقة. وأما غير المطابق فمثل أن يتخيل الإنسان أن في الخارج مالا وجود له في الخارج، وتوهمه ذلك مثل أن يتوهم فيمن يحبه أنه يبغضه ومثل أن يتوهم الإنسان أن الناس يحبونه ويعظمونه والأمر بالعكس» [2] .
والخيال أو الصورة العلمية من النوع المطابق عند ابن تيمية، ولكن ليس تطابقًا كليًا. إذ لا تساوي الصورة الواقع من حيث الحد والحقيقة، ولكنها تشبهه من حيث الشكل.
يقول: «حصول الصورة العلمية في العالم كحصول الصورة المرئية في المرآة أو في الماء ونحو ذلك، ومعلوم أنه لم تحل في المرآة والماء نفس الشمس والوجه ولا ما يساويهما في الحد والحقيقة، ولكن صورة تحكيهما. وليست هذه الصورة كالصورة التي تحصل في الشمع والطين من طبع الخاتم والرسم، فإن تلك عَرَض والشمس والوجه جسم وكذلك العلم الذي في القلب، والمعلوم القائم بنفسه كالسماء والأرض جواهر، فليس هذا مثل هذا» [3] .
وللتصور والصورة فائدة كبيرة من حيث اكتمال العمل في الخارج، فالتصور يسبق القول والعمل عند ابن تيمية يقول: «فإن الإنسان يجد في نفسه أنه إذا أراد أن تصدر عنه صورة خارجية من قول أو فعل، فإنه يتصور في ذهنه ما يريد أن يظهره قبل أن يظهره، ويميز بين الصورة التي في ذهنه وبين ما يظهره بقوله أو فعله» [4] .
ويقول أيضًا مبينًا أن الإنسان العاقل كالمهندس الذي يخطط صورة البناء قبل أن يبينه، ثم يحقق هذه الصورة في الواقع: «العاقل الفاعل فعلًا باختيار يتصور ما يريد أن يفعله في نفسه، ثم يوجده في الخارج، فتلك الصورة الموجودة في الخارج بفعله ليست هي الصورة المعقولة بذهنه، كمن أراد
(1) درء تعارض العقل والنقل 6/ 44.
(2) المرجع السابق 6/ 17.
(3) المرجع السابق 10/ 67.
(4) المرجع السابق 10/ 50.