هذا هو منهج ابن تيمية في معرفة الحقيقة القرآنية.
والقرآن الكريم يدفع الإنسان إلى التفكير بما يسوقه من أدلة عقلية منطقية، حتى يصل إلى الإقناع والتصديق ... لا مجرد إيراد خبر ملزم لهذا الإنسان يتقبله دون تفكير ولا إرادة. لهذا يقول هنري لاووست: «ويشتمل القرآن على جملة المعارف الدينية في نصها وروحها، وهو لا يستمد قوته الإلزامية من سلطة الوحي وحدها، وإنما يسوق إلى العقل مجموعة من البراهين المنطقية مصحوبة بقوة إقناع لا نجدها في غيرها من البراهين، وعندما تعرض ابن تيمية في هذه النقطة بأسلوب جديد لحجة الاجتماع العام التي استخدمها لإثبات وجود الله، استطاع أن يؤكد أن القرآن يتضمن آيات من الوضوح، وعلى درجة من البساطة والعمومية بحيث إن الناس جميعًا محمولون منطقيًا على التصديق بها» [1] .
وهي المصدر الثاني للمعرفة من حيث الترتيب بعد القرآن الكريم، عند الإمام ابن تيمية.
ومن خلال التدليل على المفاهيم النفسية التي يأتي بها، يتبين للقارئ فهمه العميق للحديث النبوي، وما يمكن أن يستنبط منه من أفكار وآراء وفق التصور الإسلامي ... لذلك نجده - رحمه الله - يكرر دائمًا في بحثه عن العقل عبارات مثل: «العقل في لغة الرسول وأصحابه ... » ، «العقل في كتاب الله وسنة رسوله ... » .
ثم يورد الأحاديث النبوية التي تتعلق بالنقطة التي يدرسها ... مدللًا عليها، مستنبطًا منها المفاهيم التي تدعم فكرته ورأيه حول الموضوع.
فهو - رحمه الله - يدلل مثلًا على الاستعداد الفطري للمعرفة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة ... » الحديث.
ويدل على أن الإنسان حساس متحرك بالإرادة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء: حارث وهمام» [2] ، يقول: «فالحارث: الكاسب الفاعل، والهمّام: فعّال من الهمّ، والهمّ أول الإرادة، فالإنسان له إرادة دائمًا، وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه» [3] .
(1) نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع للمستشرق الفرنسي هنري لاووست - ترجمة محمد عبد العظيم علي - ص 113 دار الأنصار - القاهرة 1979 م.
(2) رواه أبو داود والنسائي.
(3) العبودية، لابن تيمية، تقديم الأستاذ عبد الرحمن الباني ص 112، ط المكتب الإسلامي.