فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 172

أيضًا إلى طريقي الفضيلة والرذيلة، {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 8 - 10] .

وهكذا - كما يقول ابن تيمية: فإن «الناس بفطرتهم يميلون إلى الصفات الخيّرة مثل العدل والخير والجمال، كما ينفرون بفطرتهم من الاتجاهات الخلقية الشاذة والمنحرفة، إذ يشعرون بغرابتها عن فطرتهم، وهذا الميل أو النفور يعززه إدراك العقل الصريح التام لدوافع الميل، ودواعيه من خير أو سرور أو لذة أو غير ذلك ...

ومن هذا يتضح أن أثر الفطرة يكمله إدراك العقل، وأنه ليس بينهما تنافر بأي حال من الأحوال» [1] . ولذا يقرر ابن تيمية أن الإنسان «إذا كان تام العقل، علم أن العلم والعدل والصدق ينفعه، وتصلح به نفسه، وتلتذ، وأن الكذب والظلم يضره، ويفسد نفسه ويؤلمها» [2] .

وفكرة الأساس العقلي للسلوك الأخلاقي يصورها القرآن الكريم حين يتحدث عن موقف أصحاب النار حين يقولون: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] ، وحين يتحدث عن موقف المنافقين حين تتوزعهم الأهواء وتباعد بينهم الغايات بقوله: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14] .

يرد في هذا المقام سؤالان:

-هل بقيت الفطرة نقية خالصة حتى يكون تأثيرها فاعلًا في المجال الخلقي؟.

-وهل خلص العقل من المؤثرات الخارجية غير الخلقية حتى يقرر ما هو خير؟.

والواقع يثبت أنهما انحرفا عن طريقهما، ومن هنا كانت الحاجة إلى التوجيه الإلهي من خلال الرسل عليهم السلام ...

ولذا نستطيع أن نقول: إن مصدر «الإلزام الخلقي هو قوة الإيمان المعتمدة على العقل الخالص، والفطرة المستقيمة، مع الاحتكام إلى نور الشرع» [3] . ويقول ابن تيمية: «فإن مبنى العقل على صحة الفطرة، وسلامتها، ومبنى السمع على تصديق الأنبياء صلوات الله عليهم» [4] .

(1) النظرية الخلقية عند ابن تيمية، د. محمد بن عبد الله عفيفي ص 68.

(2) الرد على المنطقيين ص 430.

(3) النظرية الخلقية عند ابن تيمية ص 81.

(4) الرد على المنطقيين ص 323.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت