فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 172

وقد تعرض ابن تيمية - رحمه الله - للإدراك الحسي والإدراك العقلي وناقشهما بشكل متميز أصيل عما سبقه من المفكرين والفلاسفة .. فبدأ بدراسة الحواس التي هي وسيلة الإدراك الحسي، ثم انتقل إلى الإدراك العقلي.

وهذا ما نلمسه في كتبه القيمة مثل: «درء تعارض العقل والنقل» ، و «الفتاوى» ، و «الرد على المنطقيين» .

يبين ابن تيمية الحواس ووظيفة كل حاسة وما تتميز به كل حاسة عن الأخرى بما تقوم به من إدراك حسي خاص بها، فيقول: «أما الشم والذوق واللمس فحس محض لا يحصل إلا بمباشرة الحيوان لذلك، فالثلاثة الجنس الواحد. فالجلود إن خصت باللمس لم يدخل فيها الشم والذوق، وإن قيل بل يدخل فيها عمَّت الجميع. وإنما ميزت عن اللمس لاختصاصها ببعض الأعضاء وبنوع من المدركات وهو الطعوم والروائح، فإن سائر البدن لا يميز بين طعم وطعم، وريح وريح، ولكنه يميز بين الحار والبارد، واللين والصلب، والناعم والخشن، ويميز بين ما يلت ذبه وبين ما يتألم به» [1] .

والذي أشار إليه ابن تيمية - رحمه الله - في آخر قوله - المذكور آنفًا - هو خاصية الحواس الجلدية، التي بينت الدراسات التشريحية الحديثة ماهيتها وتنوعها وتخصصاتها، فقالت بوجود خلايا حسية كثيرة مختلفة الشكل في بشرة الإنسان، وهي متخصصة لاستقبال أنواع معينة من الإحساسات، فبعضها يحس بالحرارة وبعضها يحس بالبرودة وبعضها يحس باللمس والضغط، وبعضها يحس بالألم، وقد أشار القرآن إلى وجود أعضاء الحس الخاصة بالإحساس بالألم في بشرة الإنسان وذلك في قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56] .

فالآية الكريمة تشير إلى وجود الخلايا الحسية المتخصصة في الإحساس بالألم في الجلد. كما بينت الدراسات التشريحية الحديثة. فإذا احترق الجلد وزالت هذه الخلايا انتفى الإحساس بالألم، ولذلك يبدل الله تعالى جلود الكافرين جلودًا جديدة بأخرى وبخلايا حسية جديدة كي يستمر إحساسهم بالألم.

(1) الرد على المنطقيين ص 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت