فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 172

يقول ابن تيمية: «وهذا مع أن الناس متباينون في نفس عقلهم الأشياء من بين كامل وناقص، وفيما يعقلونهم من بين قليل وكثير وجليل ودقيق وغير ذلك» [1] ، ويقول أيضًا: «وكم من ناظر مفكر لم يُحصِّل العلم ولم ينله، كما أنه كم من ناظر إلى الهلال لا يبصره، ومستمع إلى صوت لا يسمعه» [2] .

وبعد أن يؤكد ابن تيمية تفاوت الناس في القدرات العقلية، والتعليم والمهارات، يرتب على ذلك اختلاف ترتيب الواجبات باختلاف أحوال الناس، يقول: «فينبغي أن يعلم أن ترتيب الواجبات في الشرع واحدًا بعد واحد، ليس أمرًا يستوي فيه جميع الناس، بل هم مُتنوِّعون في ذلك، فكما أنه قد يجب على هذا ما لا يجب على هذا، فكذلك قد يؤمر هذا ابتداء بما يؤمر به هذا» [3] .

وكذلك الواجبات العقلية والتحصيل العلمي تختلف باختلاف قدرة الإنسان العقلية «وهكذا الواجبات العقلية، إذا قيل بالوجوب العقلي، يتنوع الناس في ترتيبها ... وكما أنهم متنوِّعون في ترتيب الوجوب فهم مُتنوِّعون في ترتيب الحصول علمًا وعملًا» [4] .

وقضية ترتيب الحصول في مجال العلم والعمل شغلت علماء النفس المحدثين كثيرًا. فقالوا بالدراسات النفسية والتجريبية على الأفراد والمجتمعات ووجد ما يسمى بعلم النفس الفارق، وعلم النفس العيادي (الإكلينيكي) ، وعلم النفس المهني، وعلم النفس العسكري، وصنفت الكتب والدراسات الكثيرة - خاصة في المجتمع الغربي المعاصر الذي تقدم فيه العلم شوطًا بعيدًا .. في مجال الصناعة والتقدم العلمي التقني - التي تدرس الفروق الفردية بين الأفراد والمجتمعات .. وقابلية كل فرد وكفايته العلمية والعملية وقدرة تحصيله، فمنهم من ينجح في مجال العمل العقلي، لمن وهب ذكاء عقليًا، ومنهم من ينجح في مجال العمل المهني، لمن وهب ذكاء عمليًا [5] .

ثانيًا: نقد المنطق الأرسطي:

بينا آنفًا عند حديثنا عن ماهية العقل، أن ابن تيمية هو أول من تحرر من الفكر اليوناني في تبيان ماهية العقل، بينما غيره من فلاسفة الإسلام - كما يطلق عليهم - بقوا أسرى الفلسفة اليونانية الوثنية.

(1) فتاوى الرياض 9/ 309.

(2) المرجع السابق 9/ 308.

(3) درء تعارض العقل والنقل 8/ 16 - 17 وكذلك ابن تيمية للأستاذ النحلاوي رحمه الله ص 97.

(4) المرجع السابق 8/ 16 - 17.

(5) ارجع إلى: ميادين علم النفس النظرية والتطبيقية، لمجموعة من المؤلفين الغربيين بإشراف جيلفور، والترجمة العربية بإشراف الدكتور يوسف مراد، دار المعارف، القاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت