وهذا الصرف لا يقوم على القطع، بل يسير في ساحة الظن، ولذلك فرٌَّوا بينه وبين التفسير في الاصطلاح: بأن التفسير تبيين المراد من الكلام على سبيل القطع، أما التأويل: فإنه تبيين المراد من الكلام على سبيل الظن، ولهذا يحرم التفسير بالرأي دون التأويل، والتأويل بهذا المعنى باب من أبواب الاستنباط العقلي، وطريق من طرق الاجتهاد في بيان النصوص [1] .
يؤكد ابن تيمية أن معنى التأويل في القرآن المعنى اللغوي الظاهر للفظ، وليس المعنى الاصطلاحي، يقول - رحمه الله: «إن لفظ التأويل في القرآن يراد به ما يؤول الأمر إليه، وإن كان موافقًا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر، كما يراد به تفسير الكلام وبيان معناه، وإن كان موافقًا له، وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين كمجاهد وغيره. ويراد به أيضًا صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى احتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك» .
«وإن لفظ التأويل بمعنى صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح إنما يوجد في كلام المتأخرين» [2] .
ومعنى التأويل في القرآن هو ما فهمه السلف - رحمهم الله - حيث «يراد به ما أراده الله تعالى بلفظ التأويل في مثل قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53] .
وقوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] .
وقوله: {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 100] .
وهكذا فإن السلف يعنون بالتأويل هو المعنى اللغوي، لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وهم يفهمونه على أساليب العربية ومدلولات ألفاظها في الخطاب.
وكذلك كان التأويل عند العلماء الأولين، عند الشافعي - رحمه الله - في الرسالة، والطبري في مقدمة تفسيره [3] .
وهذا ما فهمه ابن تيمية - رحمه الله - من لفظ التأويل في القرآن، يقول: «قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [يونس: 39] أي كذبوا بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله، فتبين أنه يمكن أن يحيط أهل العلم والإيمان بعلمه ولما يأتهم تأويله،
(1) انظر تفسير النصوص، للدكتور محمد أديب الصالح 1/ 366.
(2) درء تعارض العقل والنقل 1/ 206.
(3) انظر تفسير النصوص، مرجع سابق 1/ 359.