فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 172

وأن الإحاطة بعلم القرآن ليست إتيان تأويله، فإن الإحاطة بعلمه معرفة معاني الكلام على التمام، وإتيان التأويل نفس وقوع المخبر به، وفرق بين معرفة الخبر وبين المخبر به، فمعرفة الخبر هي معرفة تفسير القرآن، ومعرفة المخبر به هو معرفة تأويله» [1] .

ويوضح ابن تيمية هذه المسألة بأسلوب نفسي وعقلي في الوقت نفسه، فإنه يميز بين المعنى الذهني والحقيقة الخارجية حيث يقول: «ونكتة ذلك أن الخبر لمعناه صورة علمية، وجودها في نفس العالم، كذهن الإنسان مثلًا، ولذلك المعنى حقيقة ثابتة في الخارج عن العلم، واللفظ إنما يدل ابتداء على المعنى الذهني، ثم تتوسط ذلك أو تدل على الحقيقة الخارجة، فالتأويل هو الحقيقة الخارجة، وأما معرفة تفسيره ومعناه فهو معرفة الصورة العلمية» [2] .

ويدلل ابن تيمية على أن التأويل هو وقوع لمخبر به نفسه من السنة وآثار السلف بقوله: «فتأويل الكلام الطلبي: الأمر والنهي، هو نفس فعل المأمور به، وترك المنهي عنه، كما قال سفيان بن عيينة: السنة تأويل الأمر والنهي. وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأول القرآن [3] . وقيل لعروة ابن الزبير: فما بال عائشة كانت تصلي في السفر أربعًا؟ قال: تأولت كما تأول عثمان. ونظائره متعددة» [4] .

وكذلك تأويل أمور الغيب، كذات الله واليوم الآخر ... فهو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، يقول: «وأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، وذلك في حق الله: هو كُنْه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، ولهذا قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم والكيف مجهول، وكذلك قال ابن الماجشون [5] وأحمد بن حنبل وغيرهما من السلف يقولون: إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه وإن علمنا تفسيره ومعناه.

ولهذا ردَّ أحمد بن حنبل على الجهمية والزنادقة فيما طعنوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله، فردَّ على من حمله على غير ما أريد به، وفسر هو جميع الآيات المتشابهة، وبين المراد منها» [6] .

(1) فتاوى الرياض 13/ 283.

(2) المرجع السابق.

(3) رواه مسلم 2/ 50 (كتاب الصلاة، باب ما يقول في الركوع والسجود) . والبخاري 2/ 159 (كتاب الصلاة، باب التسبيح والدعاء في السجود) .

(4) درء تعارض العقل والنقل 1/ 206، 207.

(5) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، من أئمة المحدثين، توفي ببغداد سنة 164 هـ (انظر الأعلام للزركلي 4/ 145، 146) .

(6) درء تعارض العقل والنقل 1/ 207.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت