ويقول أيضًا في موضع آخر من الفتاوى مؤكدًا على وظيفة العقل التي ينال بها الإنسان العلم والعمل: «العقل: الغريزة التي جعلها الله في العبد، التي ينال بها العلم والعمل» [1] .
وقد يراد بمعنى العقل أيضًا عنده؛ العلم الضروري الذي يحصله الإنسان. ويطلق أيضًا على العمل بهذا العلم لا العمل بلا علم. يقول - رحمه الله: «ثم من الناس من يقول: العقل هو علوم ضرورية، ومنهم من يقول: العقل: هو العمل بموجب تلك العلوم، والصحيح أن اسم العقل يتناول هذا وهذا» [2] .
ويؤكد ابن تيمية هذا المعنى في موضع آخر من فتاويه، من أن العقل هو العلم الذي يعمل به لا مجرد العلم، وهو العمل بالعلم لا العمل بلا علم.
يقول: «فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنما يسمى به العلم الذي يعمل به والعمل بالعلم ولهذا قال أهل النار: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [3] [الملك: 10] .
والعلم بهذا الاعتبار أشرف من مسمى العقل، فإن مسمى العلم هنا، كلام الله تعالى، وكلام الله أشرف من الغريزة التي يشترك فيها المسلم والكافر [4] .
ومن المعلوم ما لا تدرك بالحواس، فتسمى العلوم المسموعة، وقد تسمى هذه عقلًا أيضًا. يقول ابن تيمية: «وأيضًا قد تسمى العلوم المسموعة عقلًا؛ كما قيل:
رأيت العقل عقلين ... فمطبوع ومسموع
فلا ينفع مسموع ... إذا لم تك مطبوع
كما لا تنفع العين ... وضوء الشمس ممنوع [5]
ويرى ابن تيمية أن العمل بالعلم هو الأغلب في مسمى العقل عند السلف يقول: «وأما العمل بالعلم، وهو جلب ما ينفع الإنسان ودفع ما يضره بالنظر في العواقب، فهذا هو الأغلب على مسمى العقل في كلام السلف والأئمة، كالآثار المروية في فضائل العقلاء» [6] .
(1) المرجع السابق 9/ 305.
(2) المرجع السابق 9/ 287. وانظر أيضًا: درء تعارض العقل والنقل 9/ 21.
(3) فتاوى الرياض 9/ 286 و 287.
(4) درء تعارض العقل والنقل 9/ 122.
(5) درء تعارض العقل والنقل 9/ 122.
(6) درء تعارض العقل والنقل 9/ 122.