الغيب في لغة العرب: كل ما غاب عنك.
قال القرطبي: واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [في سورة البقرة: 3] ، هو الله سبحانه وتعالى.
وقال آخرون: القضاء والقدر. وقال آخرون: القرآن وما فيه من الغيوب.
وقال آخرون: كل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار. قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها.
وهذا ما أشار إليه ابن تيمية - يرحمه الله - في كتابه القيم (درء تعارض العقل والنقل) أن الغيب: «كل ما غاب عن الإنسان واقعًا وعقلًا، مثل الأمور المتعلقة بذات الله تعالى، واليوم الآخر، والبرزخ، والبعث بعد الموت، والشفاعة، والصراط، والميزان، وخلود الدارين، والروح ... إلخ ..
هذه الأمور الغيبية يجب الإيمان بها، لأنها وردت في القرآن الكريم، ومن لم يؤمن بأي من أمور الغيب هذه فقد خالف اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهذا مما لا شبهة فيه بين أصحاب الحديث والفقهاء والعلماء في العالم الإسلامي كله» [1] .
ويقول صاحب الظلال في تفسيره: «والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فبتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس - وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله، ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير، كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض، فليس من يعيش في هذا الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديته وبصيرته .. » .
ويقول: «لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة، ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان، كجماعة الماديين في كل زمان، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى .. إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس، ويسمون هذا (تقدمية) وهو
(1) درء تعارض العقل والنقل 8/ 503.