فمن اين جاء التعارض في رأي البعض إذًا، واختلف الناس في العقائد والشرائع وتنازعوا وتفرقوا شيعًا، ما دام العقل لا يعارض النقل؟ ويجيب ابن تيمية على هذا السؤال بقوله: «وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع، وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار كمسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والنبوات والمعاد وغير ذلك ووحدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال أنه يخالفه؛ إما حديث موضوع أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟ ونحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمجالات العقول بل بمحارات [1] » العقلو فلا يخبرون بما يعلم العقل فانتفاؤه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته» [2] .
ويقول أيضًا: «إن الأدلة العقلية الصحيحة البينة التي لا ريب فيها، بل العلوم الفطرية الضرورية توافق ما أخبرت به الرسل لا تخالفه، وأن الأدلة العقلية الصحيحة جميعها موافقة للسمع لا تخالف شيئًا من السمع وهذا - ولله الحمد - قد اعتبرته فيما ذكره عامة الطوائف» [3] .
ويخلص ابن تيمية إلى أن العقل لا يستغني عن النقل أو الرسالة، وعملهما متكاملان، هو يعمل في توجيهها وإرشادها، يقول ابن تيمية في ذلك: «كما أن نور العين لا يرى إلا مع نور قُدَّامه، فكذلك نور العقل لا يهتدي إلا إذا طلعت عليه شمس الرسالة، فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام، وكان معرفة ما أمر به الله ورسوله واجبًا على جميع الأنام» [4] .
وقد تمثل هذا التكامل بين العقل والنقل بأكمل صوره منذ أول آية نزلت على الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] » [5] .
(1) المحارات: هي ما حارت العقول في فهمه.
(2) المرجع السابق 1/ 147.
(3) المرجع السابق 1/ 133.
(4) فتاوى الرياض 1/ 6.
(5) فتاوى الرياض 16/ 260، 266. وكذلك انظر: الفكر التربوي عند ابن تيمية، للدكتور ماجد عرسان الكيلاني، ص 100 - 101.