النافعة فتعبد الله، ومتى لم تحيَ هذه الحياة كانت ميتة، وكان ما لها من الحياة الطبيعية موجبًا لعذابها، فلا هي حية متنعمة بالحياة، ولا ميتة مستريحة من العذاب، قال تعالى: {ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} [الأعلى: 13] . فالجزاء من جنس العمل لما كان في الدنيا ليس بحي الحياة النافعة، ولا ميتًا عديم الإحساس، كان في الآخرة كذلك. والنفس إن علمت الحق وأرادته فذلك من تمام إنعام الله عليها، وإلا فهي بطبعها لا بد لها من مراد معبود غير الله، ومرادات سيئة، فهذا تركب في كونها لم تعرف الله، ولم تعبده وهذا عدم» [1] .
ومصدر هذه السعادة للنفوس البشرية هو العقل، وقدراته على الفهم والبصر، أي الذكاء في أي درجة من درجاته، وإلا لما كلفت بعبادة الله ... فالعقل هو أساس التكليف ... لذلك كان خطاب الله للناس أجمعين: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} و {يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} إلخ. لذلك كان قول الأشقياء في الآخرة: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] .
ومن هنا فإن العقل والذكاء لا ينفعان صاحبهما إن لم يطيعا الله، وينعما بفضله في الحياة الدنيا.
وهذا يجري أيضًا على أهل الذكاء والفطنة من أهل الكلام من المسلمين وغيرهم الذين لم يعبدوا الله عبادة حقيقية بعيدة عن الشرك وأوثان الهوى والبدع، فهؤلاء لا ينفعهم ذكاؤهم في تحقيق السعادة في الدنيا، والنجاة من عذاب الله في الآخرة. على الرغم من كونهم أصحاب زهد وأخلاق - كما يصفهم ابن تيمية - حيث يقول: «والقوم (أي أهل الكلام) وإن كان لهم ذكاء وفطنة، وفيهم زهد وأخلاق، فهذا القول لا يوجب السعادة والنجاة من العذاب إلا بالأصول المتقدمة (أي بعبادة الله لا شريك له والإيمان برسله وكتبه واليوم الآخر) .
وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة الدين والإرادة، فالذي يؤتى فضائل علمية وإرادية بدون هذه الأصول، بمنزلة من يؤتى قوة في جسمه وبدنه بدون هذه الأصول، وأهل الرأي والعلم بمنزلة أهل الملك والإمارة، وكل من هؤلاء وهؤلاء لا ينفعه ذلك شيئًا إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويؤمن برسله واليوم الآخر» [2] .
يتناول هذا الفصل الإدراك الحسي والإدراك العقلي، فالإدراك الحسي هو إدراك الحواس الظاهرة والباطنة، والإدراك العقلي هو إدراك المعاني الكلية مثل الحق والعدل والخير والشر، وبالحواس والعقل يدرك الإنسان حياته ويتعلم ويزداد معرفة ... وبين ابن تيمية:
(1) المرجع السابق: 8/ 206.
(2) فتاوى الرياض 18/ 58.