والمقصود أن يعرف اصطلاحهم ومرادهم بلفظ الخيال والوهم ونحو ذلك، وأن الخيال هو تصور الأعيان المحسوسة في الباطن، والوهم تصور المعاني التي ليست محسوسة في تلك الأعيان، وكلاهما تصور معين جزئي والعقل هو الحكم العام الكلي الذي لا يختص بعين معينة ولا معنى معين.
وإذا عرف ذلك فيقال: هذه القوة في الباطن بمنزلة القوى الحسية في الظاهر والقدح فيها كالقدس في الحسيات، وهذه القوة لا يجوز أن يناقض تصورها للمعقول، كما لا يناقض سائر القوى الحسية للمعقول، لأن المعقولات أمور كلية تتناول هذا المعين وهذا المعين، سواء كان جوهرا ًقائمًا بنفسه أو معنى في الجوهر والحس الباطن والظاهر، لا يتصور إلا أمورًا معينة فلا منافاة بينهما فالحس الظاهر يدرك الأعيان المشاهدة وما قام بها من المعاني الظاهرة كالألوان والحركات، والذي سموه الوهم جعلوه يدرك ما في المحسوسات من المعاني التي لا تدرك بالحس الظاهر، كالصداقة والعداوة ونحو ذلك والتخيل هو بمثل تلك المحسوسات في الباطن ولهذا جعلوه الإدراكات ثلاثة: الحس والتخيل والعقل [1] .
وأما الفائدة الثانية في غض البصر: فهو نور القلب والفراسة، قال تعالى عن قوم لوط: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72] فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمى البصيرة وسكر القلب بل جنونه ... وذكر الله سبحانه آية النور عقب آيات غض البصر، فقال: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35] وكان شجاع بن شاه الكرماني لا تخطي له فراسة. وكان يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات - وذكر خصلة سادسة أظنه هو أكل الحلال: لم تخطئ له فراسة والله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، فيطلق نور بصيرته ويفتح عليه باب العلم والمعرفة والكشوف ونحو ذلك مما ينال ببصيرة القلب [2] .
وأما بلفظ التأويل في التنزيل فمعناه: الحقيقة التي يؤول إليها الخطاب وهي نفس الحقائق التي أخبر الله عنها فتأويل ما أخبر به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر، وتأويل ما أخبر عنه عن نفسه هو نفسه المقدسة الموصوفة بصفاته العلية.
(1) درء تعارض العقل والنقل: 6/ 23 - 24.
(2) فتاوى الرياض: 15/ 425 - 426.