فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 172

أن يصنع شكلًا مثلثًا أو مربعًا أو يصنف خطبة أو يبني دارًا أو يغرس شجرًا أو يسافر إلى مدينة فإنه يتصور ما يريده ابتداء، فتكون له صورة عقلية في نفسه قبل صورته التي توجد في الخارج» [1] .

وللصورة جانب سلبي غير الجانب الإيجابي في العمل الإرادي، هذا الجانب هو ما يسميه علم النفس الحديث بـ «العاطفة السائدة» وفيه تستولي الصورة على الشخص فلا تفارقه ولا يستطيع إبعادها وصرفها عنه، كما يستولي الأسد على الفريسة، فلا تستطيع الفريسة الحراك بين يديه وهذه الصورة المسيطرة على الشخص نجدها لدى الذين يتبعون هواهم، حيث يبقى أحدهم أسيرًا لهواه لا يستطيع الإفلات منه.

يقول ابن تيمية: «وصورة المحبوب تستولي على المحب أحيانًا حتى لا يرى غيرها، ولا يسمع غير كلامها فتبقى نفسه مشتغلة بها» .

ويقول: «والمقصود أن المتبعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه ويبقى أسير ما يهواه، يصرفه كيف تصرف ذلك المطلوب، ولهذا قال بعض السلف: ما أنا على الشاب الناسك بأخوف مني عليه من سبع ضار يثب عليه من سبع ضار يثب صبي حدث يجلس عليه.

وذلك أن النفس الصافية التي فيها رقة الرياضة، ولم تنجذب إلى محبة الله وعبادته انجذابًا تامًا ولا قام بها من خشية الله التامة ما يصرفها عن هواها حتى صارت تحت صورة من الصور، واستولت تلك الصورة عليها كما يستولي السبع على ما يفترسه، فالسبع يأخذ فريسته بالقهر ولا تقدر الفريسة على الامتناع منه، كذلك ما يمثله الإنسان في قلبه من الصور المحبوبة تبتلع قلبه وتقهره فلا يقدر قلبه على الامتناع منه، فيبقى قلبه مستغرقًا في تلك الصورة أعظم من استغراق الفريسة في جوف الأسد لأن المحبوب المراد هو غاية النفس، له عليها سلطان قاهر» [2] .

يميز ابن تيمية بين الإدراك الحسي والإدراك العقلي. فالإدراك الحسي: إدراك الجزئيات المادية بواسطة الحواس الظاهرة والباطنة وما يتبعها من قوة التخيل والتصور في الإنسان .. مثل أن أدرك شكل طاولة ونوعها ولونها وغير ذلك من صفاتها المادية.

(1) المرجع السابق 10/ 51.

(2) فتاوى الرياض 10/ 593 و 594 و 595.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت