فالناس في مسألة التحسين والتقيح على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط.
-الطرف الواحد: قو: من يقول بالحسن والقبح ويجعل ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له، ولا يجعل الشرع إلا كاشفًا عن تلك الصفات، لا سببًا لشيء من الصفات، فهذا قول المعتزلة وهو ضعيف وإذا ضم إلى ذلك قياس الرب على خلقه فقيل: ما حسن من المخلوق حسن من الخالق، وما قبح من المخلوق قبح من الخالق، ترتب على ذلك أقوال القدرية الباطلة وما ذكروه في التحوير والتعديل ...
-وأما الطرف الآخر: فهو قول من يقول: إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل للأحكام، بل القادر أمر بأحد المتمثلين دون الآخر لمحض الإرادة، لا لحكمة ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر، ويقولون: إنه يجوز أن يأمر الله بالشرك بالله وينهى عن عبادته وحده، ويجوز أن يأمر بالظلم والفواحش وينهى عن البر والتقوى والأحكام التي توصف بها الأحكام مجرد نسبة وغضافة فقط، وليس المعروف في نفسه معروفًا عندهم، ولا المنكر في نفسه منكرًا عندهم ... ليس في نفس الأمر عندهم لا معروف ولا منكر ولا طيب ولا خبيث، إلا أن يعبر عن ذلك بما يلائم الطباع، وذلك لا يقتضي عندهم كون الرب يحب المعروف ويبغض المنكر ... وهذا خلاف المنصوص والمعقول، وقد قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] وعندهم تعلق الإرسال بالرسول لتعلق الخطاب بالأفعال، لا يستلزم ثبوت صفة لا قبل التعلق ولا بعده، وجمهور الفقهاء وجمهور الملمين يقولون: الله حرم المحرمات فحرمت، وأوجب الواجبات فوجبت، فمعنا شيئان: إيجاب وتحريم، وذلك كلام الله وخطابه والثاني: وجوب وحرمة، وذلك صفة للعقل، والله تعالى حكيم: علم بما تتضمنه الأحكام من المصالح، فأمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي والمأمور، والمحظور من مصالح العباد ومفاسدهم، وهو أثبت حكم الفعل، وأما صفته فقد تكون ثابتة بدون الخطاب.
وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظالم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هو حسن وقبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن. لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة، إذا لم يرد شرع بذلك. وهذا مما غلط فيه غلاة