يقول ابن تيمية: «والقلوب مفطورة على أن يتجلّى بها من الحقائق ما هي مستعدة لتجليها فيها، فإذا تجلى فيها شيء أحست به إحساسًا باطنًا بواسطة تجليه فيها» .
وأيضًا، فنفس مشاهدة القلوب لنفسه تبارك وتعالى أمر ممكن وإن كان ذلك قد يُقال أنه مختص ببعض الخلق، كما قال ابو ذر وابن عباس وغيرهما من السلف: «إن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده» [1] .
أما عن ضرورة وجود هذه الحواس لعملية الإدراك، فيؤكد ابن تيمية أن الحواس الباطنة ضرورية لإدراك الصور والمعاني الجزئية، وإن هذا الإدراك يكتمل بالإدراك العقلي كما سنجد ذلك حينما يتحدث ابن تيمية عن الحواس الباطنة.
ومن الحواس الباطنة التي يذكرها ابن تيمية - رحمه الله:
يعرض ابن تيمية رأي ابن سينا والفلاسفة الذين سبقوه في معنى الخيال والوهم، ويرى أنهم يخلطون بين قوى الخيال والوهم والعقل.
فهم يُعرِّفون الخيال بأنه تصور الأعيان المحسوسة في الباطن.
والوهم: بأنه تصور المعاني غير المحسوسة في تلك الأعيان، مثل: إدراك الشاة معنى الذئب غير المحسوس.
وكلاهما تصور معين جزئي والعقل هو الحكم العام الكلي الذي لا يختص بعين مُعيَّنة ولا معنى مُعيَّن» [2] .
ثم يبرهن على أن لفظ الوهم والخيال كثيرًا ما يطلق على تصور مالا حقيقة له في الخارج، بل هذا المعنى هو المعروف من لغة العرب [3] ولم ينقل أنها تُستعمل بمعنى اليقين، وهم يستعملونها (أي ابن سينا والفلاسفة) في تصور يقيني، وهو تصور المعاني التي ليست بمحسوسة ولا ريب في ثبوتها كعداوة الذئب للشاة. فاصطلاحهم مضاد للمعروف في لغة العرب، بل في سائر اللغات.
(1) درء تعارض العقل والنقل 8/ 10 - 41.
(2) المرجع السابق 6/ 23، وكذلك انظر الإرشادات والتنبيهات لابن سينا، تحقيق سليمان دنيا - دار المعارف - القاهرة 1960 م 2/ 345 - 355.
(3) انظر الصحاح للجوهري. مادة: وهم.