وهذا صحيح .. فالعقل الذي هو آلة الإدراك والفهم عند الإنسان موجود عند أكثر البشر، ومع ذلك لم يقدهم كلهم إلى الإيمان، بل إن أكثرهم لم يؤمن {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] .
أما أن العقل أساس التكليف، إذ يميز به الإنسان بين النافع والضار، وبين الخير والشر، فهذا هدي الشارع الحكيم، وعلى هديه سار ابن تيمية إذ يقول: «والعقل المشروط بالتكليف لا بد أن يكون علومًا، يميز بها الإنسان بين ما ينفعه وما يضره، فالمجنون الذي لا يميز بين الدراهم والفلوس، ولا بين أيام الأسبوع، ولا يفقه ما يقال له من الكلام، ليس بعاقل. أما من فهم الكلام، وميز بين ما ينفعه وما يضره فهو عاقل» [1] .
وما دام هذا فضل العقل، ومحل تكريم الله وثنائه، وما دام أن العقل كمال الإنسان، وبه يتميز عن الحيوان البهيم .. فإن من الأولى عدم إزالته، وإن إزالته هبوط بالإنسان إلى مرتبة الحيوانية، لذلك حرم الله إزالته، وحرم ما يكون ذريعة لإزالته، كالخمر مثلًا.
يقول ابن تيمية - رحمه الله: «وأما المجنون، فقد نزه الله أنبياءه عنه، فإنه من أعظم نقائص الإنسان، إذ كمال الإنسان بالعقل، ولهذا حرم الله إزالة العقل بكل طريق، وحرم ما يكون ذريعة إلى إزالة العقل كشرب الخمر، فحرم القطرة فيها وإن لم تزل العقل، لأنها ذريعة لشرب الكثير الذي يزيل العقل» [2] .
لقد غلا فلاسفة اليونان، وتبعهم من يدعون بفلاسفة الإسلام، من أمثال الفارابي والكندي وغيرهم ... وكذلك المتكلمون من المعتزلة ... لقد غلا الجميع في تعظيم العقل وتقديسه، حتى جعلوه حكمًا على الشريعة، فكل ما وافق عليه العقل فهو من الشريعة، وكل ما خالف العقل - بتصورهم - لا يعد من الشريعة.
ولم يقم أحد من العلماء خلال القرون الستة التي سبقت ابن تيمية من رد على هذه المقولة الفاسدة [3] .
(1) فتاوى الرياض 9/ 287.
(2) درء تعارض العقل والنقل 10/ 444.
(3) قام ابو حامد الغزالي بمحاربة الفلسفة اليونانية بكتابيه: مقاصد الفلاسفة، وتهافت الفلاسفة، إلا أنه لم يقوّم مكانة العقل بالصورة التي قومها به ابن تيمية.