فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 172

ويعد ابن تيمية من أول من قَوَمَ مكانة العقل في الإسلام، وبَيَّن أن مصدر العقائد هو الوحي والنبوة والكتاب والسنة، وما العقل إلا مؤيد لها، ووسيلة لفهمها وإدراكها، يقول: «إن العقل ليس أصلًا لثبوت الشرع في نفسه، ولا معطيًا له صفة لم تكن له، ولا مفيدًا له صفة الكمال» [1] .

ويؤكد على تقديم الأدلة الشرعية المستقاة من مصادرها الأصلية على المعقول: «تقديم المعقول على الأدلة الشرعية ممتنع متناقض، وأما تقديم الأدلة الشرعية فهو ممكن مؤتلف، فوجب الثاني دون الأول، وذلك لأن كون لاشيء معلومًا بالعقل، أو غير معلوم بالعقل، ليست صفة لازمة لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية الإضافية، فإن زيدًا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه بكر بعقله، وقد يعلم الإنسان في حال بعقله ما يجعله في وقت آخر» [2] .

ويدلل ابن تيمية على نسبية الأمور بالعقل بذكر أمثلة كثيرة، وذلك بعرض آراء للمعتزلة والشيعة والفلاسفة، وكل منهم يدعي بأن رأيهم معلوم بالأدلة العقلية القطعية ... [3]

ويبرهن على أن تقديم النقل لا يستلزم فساد العقل في نفسه، فيقول: «معارضة العقل لما دلَّ العقل على أنه حق دليل على تناقض دلالته، وذلك يوجب فسادها، وأما السمع فلا يعلم دلالته ولا تعارضها في نفسها وإن لم يعلم صحتها، وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ما لم يعلم أقرب إلى الصواب من تقديم ما يعلم فساده، كالشاهد الذي علم أنه يصدق ويكذب، والشاهد المجهول الذي لم يعلم كذبه، فإن تقديم قول الناس المعلوم كذبه على قول المجهول الذي لا يعلم كذبه لا يجوز، فكيف إذا كان الشاهد هو الذي شهد بأنه قد كذب في بعض شهاداته» [4] .

ولا يوجد في كتابات ابن تيمية أنه ألغى العقل بشكل كامل، بل يرى أنه وسيلة لفهم الشرع والاستدلال به إلى طريق الحق والخير، لذلك فإنه يؤكد أن لا تعارض بين صريح العقل وصحيح النقل، ولم يجد خلال دراسته الطويلة على أي تعارض من هذا النوع مطلقًا، والأمور التي ثبتت صحتها بالكتاب والسنة والوحي والنبوة يصدقها العقل الكامل الصحيح «وما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح» [5] .

(1) درء تعارض العقل والنقل 1/ 138.

(2) درء تعارض العقل والنقل 1/ 144.

(3) المرجع السابق 1/ 156.

(4) المرجع السابق 1/ 171.

(5) المرجع السابق 1/ 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت