فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 172

وكذلك آيات حدوث الإنسان الدالة على الخالق سبحانه وتعالى. وهو استدلال صحيح دلَّ عليه القرآن وأرشد إليه، فهو يجمع بين الأدلة العقلية البرهانية وبين الأدلة الشرعية، يقول ابن تيمية: «والقرآن مشتمل على هذا وهذا، ولهذا، إذا جادل يسأل عن المقدمات البينة البرهانية التي لا يمكن لأحد أن يجحدها، لتقرير المخاطب بالحق، ولاعترافه بإنكار الباطل، كما في قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35] وقوله: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15] وقوله: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس: 81] ، وقوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 36 - 40] .

إلى أمثال ذلك مما يخاطبهم باستفهام التقرير المتضمن إقرارهم، واعترافهم بالمقدمات البرهانية التي تدل على المطلوب.

ثم قال مبينًا ميزة هذا الجدل القرآني: «فهو من أحسن جدل بالبرهان، فإن الجدل إنما يشترط فيه أن يسلم الخصم بالمقدمات، وإن لم تكن بينة معروفة، فإذا كانت بيِّنة معروفة كانت برهانية، والقرآن لا يحتج في مجادلته بمقدمة لمجرد تسليم الخصم بها، كما هي الطريقة الجدلية عند أهل المنطق وغيرهم، بل بالقضايا والمقدمات التي تسلّمها الناس، وهي برهانية، وإن كان بعضهم يسلمها وبعضهم ينازع فيها ذكر الدليل على صحتها» [1] .

ونقل ابن تيمية في كتابه «درء تعارض العقل والنقل» اعتراف أئمة النظار بما في القرآن من أدلة عقلية، فقال: «فإن الخطابي ذكر طريقين: أحدهما المعجزات ... والطريق الثاني: أن القرآن نَبَّه على الأدلة العقلية الصحيحة، كما اعترف أئمة النظار بأن القرآن دَلَّ على الطرق العقلية ... ودعاهم إلى تدبره وتأمله، والاستدلال به على ثبوت ربوبيته. فقال عز وجل: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة ولطيف الحكمة، الدالين على وجود الصانع الحكيم» .

فقد بين الخطابي بعض ما نبه عليه القرآن من الاستدلال بالآيات النفسية والأفقية وهي أدلة عقلية» [2] .

(1) ابن تيمية، للأستاذ النحلاوي ص 71 - 72 - 73. ومجموعة الرسائل الكبرى 1/ 187.

(2) ابن تيمية، للأستاذ النحلاوي ص 74. ودرء تعارض العقل والنقل 8/ 354.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت