وأنكر ابن تيمية الأحاديث النبوية التي ترفع من شأن العقل إلى درجة كبيرة، ومن هذه الأحاديث الموضوعة عنده هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أول ما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي ما خلقت خلقًا أكرم علي منك، فيك آخذ وبك أعطي، وبك الثواب، وبك العقاب» [1] .
ويبين ابن تيمية تناقض ألفاظ الحديث، فالقول: (أول ما خلق الله العقل .. ) .
يدل على أنه أول المخلوقات .. والقول: (ما خلقت خلقًا أكرم منك) يدل على أنه ليس أول المخلوقات .. [2]
ويرد ابن تيمية على الفلاسفة اليونانيين أتباع أرسطو الذين قالوا بأن العقول غير مخلوقة، وليست من مادة؛ بأن الملائكة والإنس والجن كلها مخلوقات لله تعالى .. ودليل ذلك ما ورد في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» [3] .
وينقد ابن تيمية نظرية تعدد العقول التي قال بها أرسطو وتبعه ابن سينا الذي قسم العقل إلى عقل هيولاني، وعقل بالمَلَكَة، وعقل بالفِعل، وعقل مُستفاد، ويعدها من أوهام الفلاسفة ..
وكذلك ينقد نظرية الفيض عند ابن سينا وخلاصتها: أن الله - سبحانه - يعقل ذاته فيفيض عنه عقل واحد بالعدد، مُمكن بذاته، واجب الوجود بغيره، وعندما يعقل هذا العقل مبدأه، يفيض عنه عقل ثان هو العقل الكلي، وعندما يعقل ذاته بأنه واجب الوجود بغيره تفيض عنه نفس الفلك الأقصى، وعندما يعقل نفسه بأنه ممكن، يصدر عنه جرم ذلك الفلك ويفيض عن العقل الكلي ثالوث مؤلف من عقل ونفس وفلك، وتستمر سلسلة الفيض حتى تصل إلى العقل الأخير وهو العقل الفعال، أو عقل فلك القمر. وتحت هذا العقل يوجد عالم العناصر، عالم الجزئيات الخاضعة للكون والفساد [4] .
يقول ابن تيمية ناقدًا نظرية الفيض: «إن العقول التي تكون دائمة الفيض، يلزم أن يكون كل ما يصدر عنها بواسطة أو بغير واسطة، لازمًا لهذه العقول، قديمًا بقدمها. وإذا كانت قديمة أزلية لا يكون فعلها وإبداعها متوقفًا على استعداد أو قبول يحدث عن غيرها» .
(1) ذكر الدارقطني أنه حديث موضوع وضعفه ابن حبان والعقيلي وابن الجوزي وغيرهم (ارجع إلى المرجع السابق ص 197) .
(2) المرجع السابق ص 197.
(3) الرد على المنطقيين ص 198 وانظر أيضًا منطق ابن تيمية ومنهجه الفكري، د. محمد حسني الزين - المكتب الإسلامي 1399 هت/1979 م ص 186.
(4) انظر: رسالة في معرفة النفس الناطقة، لابن سينا، تحقيق د. أحمد فؤاد الأهواني 1952، ص 189.